(1)
السلام عليكم ورحمة الله ..رواية رائعة للعضو همس الريشة ..ابو ياسر ..من منتدى المعالي ..
[مرساة الطريق..]
ضياع حنان..
بزغت شمس ذلك اليوم والأسئلة بدأت تتكاثر علي ؟ الحياة في مزرعة جدي بسيطة فمنذ نصحو للفجر تبدأ الأصوات اليومية المعتادة..صياح الديك..نباح الكلاب..أصوات المواشي يمنة ويسرة..ذهبت إلى جدي في محاولة مني لأفهم مايدور حولي جميع الأطفال منهم بعمري الكل ينادي أباه ..يذهب معه يجيء معه..أما أنا فلم أعرف كلمة أبي إلا في تلك الصور القديمة التي تحتفظ بها أمي..! مشيت صوب جدي في روتينه المعتاد..بين تلك الأشجار أسرعت إليه نظر إلي أهلا بسامي وضمني إلى صدره..جدي يحبني كثيرا..حاولت أن انطق بذلك السؤال تلعثم لساني..جدي أين أبي؟ نظر إلي جدي بنظرة عطف وحنان سيعود قريباً يا سامي لاداعي إلى تكرار الأسئلة كان عمري في تلك الأيام قرابة خمسة سنوات..ذهبت كالعادة حائر الفكر..تسللت إلى جارنا أبو أحمد لألعب مع أبنائه..ومن خلف الجدار..!! سمعت تلك الحروف التي أتمنى أن أصدح بها دائماً أحد أبناء أبو أحمد يناديه أبوي أين أذهب بالأكياس..شدتني كلمة أبي ضاق صدري سالت دموعي على خدي راسمة معنى الضياع..كفكفت تلك الدموع ذهبت إلى أمي لعلي أجد جواب يشفي ضميري..الجميع يظن أني لازلت صغيرا ولا أفهم مايدار حولي..!! بالعكس كنت احتفظ بما يقال فإن لم أعرف فحواه حاولت أسأل عنه أقراني…ناولت لي أمي صحن الفطور أخذت ما يسد رمقي ثم انطلقت إلى غدير عقب أمطار الأسبوع الماضي أقضي وقتي هناك حتى يعود المساء لا أريد أن ألعب مع الأطفال..أريد حلا لهذا التجاهل العجيب..هناك استلقيت..! على الأرض يالله السماء صافيه بلونها الساحر..والأرض تفوح منها تلك الرائحة التي لطالما أحببتها إنها رائحة تسبق المطر أو عندما يختلط الماء بالطين…بقيت على هذه الحالة أسبح في بحر الذكريات علي أجد أبي هناك..!! عدلت من جلستي هذي أصوات بعض المواشي قادمة نحو الماء…جلست أتأمل فيها..!! يالله حتى البهائم تحس بما أحس إذا فقدت أباها أو أمها ذهبت هائمة تبحث عنهم بين القطيع..الطيور من حولي تحس نفس الشعور…ذهبت لا أريد شيء يذكرني بأحزاني!!..ذهبت أتجول بين أسوار القرية الهادئة قابلت بعض فتيان القرية لماذا يا سامي لم تلعب معنا اليوم؟؟ صددت عنهم نعم اليوم زادت أحزاني فجميع من حولي يثير ذلك السؤال في خاطري…في المساء وبعد تناول العشاء ذهبت إلى فراشي كسير الطرف حائر الوجدان…وفي ساعة متأخر من الليل النوم أعلن الرحيل عني..!! قربت مني أمي تتحسسني سامي لماذا لم تنام قلت أمي أبحث عن أبي…تنحت عني وهي ترمقني في ظلمة الليل سامي…!!أبوك..
***
(2) نفاد صبر..
شعرت أمي بمعاناتي ابتسمت وهي تنظر إلي..سامي أبوك سافر خارج الديار لدراسة اللغة الإنجليزية..وكعادة الصغار يستفسرون عن أي كلمة تمر بهم..!حاولت أمي ترجمة ما قالت وبعد ما استوعبت هذا الأمر الذي كان سراً مر علي بعض الوقت..أخبرتني بأن قدوم والدي قبل رمضان المقبل بإذن الله…وضعت علي لحافي ثم ذهب إلى فراشها…هنا زال عني هم كبير..! كانت دموعي قد آن لها أن تتنفس بعد كبت المعاناة..نمت نومة مدموجة في أوهام وخيالات كثيرة..كم اشتقت لك يا أبي..لساني في شوق لينطق حروف الأبوة..في الصباح هرعت مسرعاً إلى أبناء جارنا أبو أحمد أخبرهم بالخبر..كنا صغار فلا أحد يستطيع أن يعبر عن ما في داخله فجميعنا يهتم بما يهمه..كم كانت فرحتي كبيرة ذلك اليوم أتيت جدي وهو جالس مع بعض كبار السن يحتسون القهوة..سلمت عليهم اقتربت من جدي…جدي كم باقي ويجي أبوي..ضحك جدي ومن حوله..! فهم لا يعيشون ما أعيش ولا يفكرون فيما أفكر..! قال لي ممكن أسبوع أو أسبوعين..أنا لا أزال صغير فالحسابات لا استوعبها ولكن أريد أن أغامر في هذا السيل من المعلومات…أمي لم تخبرني تظن أني لا أفهم ماتقوله وتظن أن ليس لي مشاعر..مشاعر الأطفال غالباً تكون أقوى من غيرهم..مرت الأيام بالحركة البطيئة…في الليل أتقلب على فراشي الساعات الطوال…وفي النهار أعيش خيالات كثيرة وأوهام…أفرح لأن أبي سيعود إلينا بعد طول غياب وأحزن لأن القدوم سيتأخر..!!وبعد مرور الأيام في سرعة بطئها…أتى خالي إلينا وأمرنا بأن نتجهز لاستقبال والدنا في المطار..ذهبنا إلى بريده وكانت رحلة أبي من واشنطن إلى جدة ثم إلى مطار بريدة…هناك في زحمة الناس..كنت لأول مرة أرى فيها الطائرات من قرب شيء عجيب يسجل في هذه الحياة الجديدة..!! طال الانتظار كنت عيني تتلقف الرايح والجاي..فجأة إذ بخالي يعانق أبي نظرت في ذهووول خفقات قلبي في ازدياد….أحقاً هذا أبي..نظر إلي أبي رفعني إليه بدأ يشمني ويقبلني ويضمني إلى صدره ودموع الفرح تسيل على خده..ركبنا السيارة متجهين إلى مزرعة جدي فقد أعد وليمة النقيعة لأبي..كانت المشاعر في تلك اللحظات لا توصف…أما أنا فبدأت أجمع الفروق بين تلك الصور التي مع أمي وهذا الصورة التي أراها على الهواء مباشرة..!! كانت رائحة الدخان تنبعث من فيء أبي ولحيته التي كانت تزين وجهه لم أعد أراها..قلت هذا وأنا أظن أن هذا الشعور مجرد خاص في أنا..!!هناك في المزرعة وبعد ما توقفت سيارتنا أقبل جدي إلينا مسرعاً بأجمل عبارات الترحيب يحيينا ونزل أبي مسرعاً إليه يقبل رأسه كان الموقف في جهة مظلمة من المزرعة وبعدما دخلنا كان المجلس يفيض بالناس … جلست بجانب أبي وأنا لم استوعب منظر أبي وكذلك لباسه الإفرنجي..!!بعد انتهاء العزيمة وانصراف الناس أقبل جدي وعلامات الغضب على وجهه..!!
***
(3) حقيقة مرة..
ارتفع صوت جدي على أبي..!! لم يسبق أن رأيت جدي بهذا المنظر..ذلك الجد الحنون العطوف وفجأة تنهار أعصابه وتحمر أوداجه…كنت أحاول استوعب ما يجري أمامي..!!حفظت من ذلك المشهد كلمة يرددها جدي (رحت من عندنا بهندام الصلاح وجيت بهندام الردى) لو كنت أدري انك تفعل هذه الأفعال كان ما زوجتك بنتي لكن الشكوى لله راحت أيامك البيض يا سعد..!! أبي تلعثمت حروفه وحار فكره محدق طرفه للأسفل..!!وبدأ يتفوه أبي بكلمات يريد بها التهرب من هذا الموقف المحرج..عرفت حينها أن أبي لم يكن كسابقه..!!لقد أصبح لقمة سائغة للأفكار الغربية..!!بدأت أمي بجمع العفش لنرحل إلى بيتنا في الرياض..انفتحت الدنيا على والدي فهو الآن في طور بناء قصر مشيد…لذلك استأجر شقه ريثما ينتهي البناء..في الطريق إلى الرياض كانت أعصاب أبي في توتر..!! أدار المسجل على إذاعة(..) ورفع صوت الموسيقى…أمي تضجرت فخفضت الصوت وقام أبي بضرب يدها بقوة وهو لا ينطق بكلمة واحدة..يتمتم بكلمات فحواها أن الناس لماذا يتدخلون في حرياتنا الشخصية يقصد بذلك جدي…كنت انظر لتلك اللحظات نظرة تشاؤم…!! إذا بداية المشوار تعالي أصوات فكيف بمنتصفه..!!يالله كم أحبك يا جدي ودعناك وودعنا تلك المساكن التي تربينا في بساتينها إلى قفزة الحضارة نصارع آلامها…!لم تكن أمي كسائر النساء تتفاعل مع الحدث في لجته وإنما كانت حضيفة فهي تعرف كيف تتعامل مع الموقف برزانة..كانت تحاول أن تمتص غضب أبي بهدوء..في الرياض كان أثاث الشقة بعضه لم يكتمل ذهبنا إلى بيت جدي من أبي فجدي قد توفى منذ زمن بعيد ولكن جدتي وبعض أعمامي الذين لم أراهم إلا مرة واحد أقصد بذلك لم تحتفظ الذاكرة بهم إلا من قريب..بعد تناول وليمة العشاء عندهم انصرفنا إلى تلك الشقة البئيسة…لا أعرف أحد من الصغار أفضض له همومي والجيران الكل أغلق بابه حياة بعيدة كل البعد عن تلك الروابط الاجتماعية التي عشتها في قريتنا… حاول أبي امتصاص فراغي بشراء(لعبة كمبيوتر العائلة) ووضع في البيت صحن فضائي مهول من ضخامته يبث الداني والقاصي…! فأبي لم يعد يهتم بالشؤون العربية فقط بل بالشؤون الغربية..!! كان يحاول أن يتحلل من جميع القيم والعادات الإسلامية..أنا لم أزل طفل والفطرة بدأت تتلاشى مع هذه الأحداث المريرة..!!
***
(4) نظرة أخيرة..
بدأت حياة التطور والرقي كما يصفها أبي تخط مسارها بيننا..! جل حديث والدي عن الغرب وعن ما شاهده بعينه هناك حتى أصبحت أمي تتخاصم معه في الكلام لكثرة ما يتردد على مسامعها من تمجيد وتلميع وتمييع للحقائق..!! أما أنا فلم تكن الخصومات تعنيني الكثير المهم أني ألعب في رغد وسكون وجميع ما أرغب فيه يأتيني دون عناء..في صبح ذلك اليوم وكالعادة انهض في الصباح مبكراً يوم الخميس كي أشاهد التطورات الكرتونية ومتابعة المشاهد منذ البداية..كنت مستلقي على الأرض مستنداً يداي أتابع بعمق تلك الحكاية…أبي قد أحضر الفطور وفي هذه الأثناء أتى اتصال على هاتف البيت..رفعت أمي السماعة إذ به خالي..ارتفع الصوت قليلاً..صاحت أمي يــــــــــا سعد بسرعة أبوي في المستشفى حالته خطيرة..نعم انه جدي أغمي عليه أثناء عمله المعتاد في المزرعة ويبدو أن حالته في خطر..هناك في بريدة كان الأقارب قد تجمعوا من كل حدب وصوب قد هالهم الخبر..! لحظات ساخنة بعدها سمحوا لنا بالدخول ثلاث أشخاص ثلاث أشخاص..دخلت مع أبي..كان جدي صوته مبحوح جدا..كلما دخل عليه أحد شد على يده أوصاه بتقوى الله..نعم كانت كلمات أثرت في من حضر ذلك المشهد…يمسح العرق عن جبينه جدي ويهتف بكلمات حقرت الدنيا في عيوننا وشد من عزم الحاضرين ليصبروا في البلايا والمصائب..عندما رأى أبي حاول أن ينطق ولكن أعياه التعب أشار بيده إلى أبي أن تعال أدن مني..وضع كفه في كف أبي وشدها سالت دمعات تعبر عن ما في خاطره تجاه أبي لم يستطع أن ينطق بكلمة..حينها دق جرس الإنذار..!! هرع الفريق الطبي مسرعاً….لحظات ويأتي الخبر..(مات مساعد) لا تسل كيف كان الخبر ضج الممر بالبكاء وتعالت الأصوات..أما أنا لم أزل صغيراً فبكيت لبكاء الناس…رحمك الله يا جدي فلم تزل تلك اللحظات عالقة في ذهني..بموت جدي مساعد رحمه الله كانت فرصة لأبي لتصبح أمي تابعة لما يرنوا إليه..
***
(5) حروف هجاء..
وبعد عدة أيام من الفاجعة وكما جرت العادة ننسى ما حل بنا من أسارير وأحزان..!! ولكن أنى لي أن أنسى ذلك الجد الحنون … ولا تزال بصماته منهج في حياتي !….وبعد أن استقرت الأوضاع في بيتنا أصبح أبي يشوقني للدراسة ويعلمني بعض التمهيدات للعام الدراسي المقبل.. هناك في زحمة الطلاب حاملاً حقيبتي وكيس قد وضعت فيه فطوري…وبعد حفل استقبالنا..أخذنا جولة تعريفية على المدرسة..ومن أهم شيء ركزواْ عليه هو كيف الطريق إلى دورات المياه “أجلكم الله”…!! في الفصل بدأ الروتين المعتاد فترة تعارف وبعض الأسئلة عن أحوال الطلاب وأين قضوا تلك الإجازة…كنت أنتظر الدور يأتي علي بشوق لكي أعبر عما عبر عنه زملائي…كان الأستاذ يجول في الفصل ويختار اختيار عشوائي حتى يتشوق الطلاب..عندما أتى الدور علي سألني كما سأل أصحابي ولكن أضاف سؤال آخر…!! كم تحفظ من كتاب الله..!! هنا حرت في الإجابة وأجبت لاشيء..!! قال ولا الفاتحة قلت وما الفاتحة…! هنا استغرب الأستاذ الإجابة..!! وكرر السؤال على الطلاب فتطاير الطلاب كلاً يريد الإجابة…بعضهم يحفظ الإخلاص والفلق والناس وبعض يزيد قليلاً أما الفاتحة فجميعهم يحفظها أما أن فلا..!! وكل ذلك راجع إلى تربية أبي المترفة لي وغفلته عن هذا الأمر العظيم..ازددت غيظاً وغبطة لماذا لم أحفظ مثل هؤلاء لم أتمالك نفسي أن بكيت بصوت عاليٍ في الفصل أخذ الأستاذ يهدي من روعي وأعطاني بعض الحلوى…ولكن لا يزال يحرقني ذلك السؤال ” كم تحفظ من كتاب الله”…وبعد أن أمرنا بالانصراف إلى بيوتنا مشى معي الأستاذ واضعاً يده على رأسي…وقال يا سامي إن شاء الله تحفظ الفاتحة وتحفظ القرآن كاملاً…خرجت من المدرسة فإذا أبي ينتظرني في الخارج…ركبت السيارة وأنا أتنفس الصعداء وعلي آثار البكاء سألني ما بك يا سامي…فأعاد انبثاق الشجون وجهشت بالبكاء..
***
(6) صواب الغلط..
أخذ يقبلني ويحاول أن يرفع معنوياتي ويدلي علي بكلمات علها تحببني في المدرسة ظناً منه أن لم أتأقلم معها…سكتُ أشهق في بكائي وسرنا إلى البيت…وفي أثناء الطريق سألت أبي سؤال ملؤه البراءة المقهورة لماذا يا أبي لم أحفظ الفاتحة..؟ نظر إلي لم يستوعب ما أقول…!! صمت يترجم هذا السؤال الخاطف…يا سامي ستحفظها ولكن ليس اليوم..هل طلب منك الأستاذ أن تحفظها.. أجبته بحسرة.. جميع الطلاب يحفظونها إلا أنا يا أبي…! عندما نرجع إلى البيت أخبر أمك حتى تساعدك في حفظها.. وهكذا مرت الأيام وأنا لا تزال تواجهني نقوص تجاه ديني..حتى في ذات مرة سأل معلم الرياضيات من صلى منكم الفجر اليوم..؟ كنت من ضمن الذين لم يرفعوا أيديهم بل لو سألني متى وقتها لحرت في الجواب.. وكلما قلت لوالدي شيئاً حاول أن يلف الموضوع فأبي حضوره إلى المسجد قليل وصلاة الفجر لا أذكره يصليها..قلت له ذات مرة سؤال غضب مني وبدأ يشتمني….يا أبي لما لا توقضني إلى صلاة الفجر وكان يقرأ إحدى الجرايد رمقني بنظرة حتى ظننت أني قلت خطأ ونهرني وأمرني أن أحل واجباتي وعلق بكلمة ” أنت لا تزال صغير”..!! أذهب إلى أمي أشكي لها الحال فلا ترد جوابا…مرت الأيام وأنا في حيرة من أمري لا أدري ما العمل في هذه الظروف القاسية..في الصفوف الأولى كنت في مدرسة حكومية قريبة من بيتنا و إلا أبي يريد تسجيلي في إحدى المدارس الأهلية الكبرى ولكن ينتظر حتى ننتقل إلى قصرنا المشيد..!!
***
(7) سرف الدنايا..
ضجيج وأصوات مزامير كل هذا سمعته عندما دخلت قدماي قصرنا المشيد…لقد وضع أبي جميع أجهزة الطرب في بيتنا وكانت السماعات مركزية…!! عندما دخلت شعرت بدوخة عجيبة فالأصوات من كل ناحية بدأت أتجول في أرجاء بيتنا الجديد كان الدور العلوي لم يؤثثه أبي لأننا لا نزال عائلة صغيرة..!!! كانت شاشة التلفاز أكبر مني بأضعاف كثيرة..!! وضع فيها ألوان وأشكال من القنوات العربية والغربية..أمي لم تكن كالسابق فالإحساس عندها قد تبلد..!! هكذا عشنا في هذه الحارة الفارهة التي يظن من يقدم عليها أنها بيوت بلا أهل…!! فجميعهم أجساد ملقاة أمام شاشات العربدة والفجور لا حراك فيها…!! لقد تقطعت بينهم أواصر المحبة والألفة…نعم كأننا قد قطنا بلاد مهجورة…كنت في صف رابع ابتدائي أول محاولاتي للخروج من المنزل بحثاً عن منهم في سني…أتجول في الظهيرة ولا أجد شي إلا الصمت يقبع في أرجاء الحي…كان ذلك الحي يطلق على أهله أصحاب الرقي والتطور…!!! أغلبهم تم استبدال عقله بذاكرة غربية فأكثرهم قد عاش وترعرع هناك..!! فالطيور على أشكالها تقع…!! مسجد الحارة ربما لا يصلي فيه إلا الإمام والمؤذن..!! لا أقول أن سكان الحارة لا يصلون..!! ولكن لا يرون وجوب صلاة الجماعة..!! أبي أراه أحياناً يركع عدة ركعات بسرعة عجيبة وأحيانا بل نادراً يذهب إلى المسجد قد يكون لصلاة الجمعة..هكذا عشت في ظل هذا التأثير سريع المفعول ثقافتي استقيتها من التلفاز وبعض الألعاب التي يأتي بها أبي.. في العطل الصيفية لا أعرف كيف هي الحياة فيها وإنما تنقلات بين أرجاء أوربا أو في غابات أمريكا وهكذا..كنت أذكر أمي عندما قرر أبي أول رحلة رفضت رفضاً تاماً حتى اشتد النزاع….ومع ذلك يأمرها بأن تلبس حجاباً يليق بما سنذهب إليه بمعني قطعة صغيرة من القماش مزخرفة بأجمل الألوان..!! تلفها حول رأسها ولكن رفضت بشدة ولله الحمد لم تتنازل عن حجابها حتى الآن..
(8) شراسة مغامرة..
في المدرسة الجديدة الوضع يختلف عن تلك السابقة هذه من أرقى المدارس الأهلية وتلك من أردى المدارس الشعبية…دخلت الفصل كانت النفسية متوترة نوعاً ما بطبيعة الحال غريب بين هؤلاء الطلاب…في الفسحة جلست جانباً أرمق المارة…أحاول أن أسمع حديثهم جلهم يتحدث عن السيارات وذاك عن آخر الموديلات وذاك يقول أبي يقول إذا خلصت الابتدائية بشتري لك سيارة وذاك دباب وهلم جر… في هذه الأثناء دنى من طالب يحاول أن يشرك حبل الصداقة معي بالطبع فأنا أبحث عن من يصادقني وكنت أتحدث معه ونتجول في الفناء وبعدها أصبحت رفيق دربه في المدرسة وكان كذلك قريب من بيتنا… مرت الأيام وانتهى الفصل ولا زالت علاقتي بفيصل تزداد يوماً بعد يوم..فيصل شخص يعشق المغامرة فهو من مشكلة إلى مشكلة.. كانت مشكلتي أني لا أمانع من نقد الآخرين وبالعكس أحاول أن أصل إلى ما يطلبون مني…كانت مجموعة فيصل “الشلة” يوجهون النقد لي بأني إنسان جبان..!! لا يقبل التحدي ولا يعشق المغامرة..! حاولت أن أترقى في المصائب دون أن أجد رقيب علي أو أحد يسأل عني هكذا سارت أموري في الفصل الأول ولكن عندما ينقطعوا عني حتى أعود إلى ما كنت عليه إنسان أحب الهدوء وأكره المشاكل..
***
(9) إلى متى يا أبي..
للتو انتهيت من واجب الرياضيات أسرعت بعدها لأقضى ما تبقى من وقت الظهيرة بين ألعاب السوني…الأذان يصدح من حولنا ولكن أهل البيت قائلون..!! فاق أبي من نومه وذهبت برفقته إلى المسجد على الركعة الأخيرة كما هو حال أبي وكعادة الأطفال ينقرون الصلاة نقر دون أن يعلمهم أحد أو يوجههم…انتهيت من الصلاة في ثواني معدودة وبقي أبي يقضي ما فاته من الركعات..في هذه الإثناء تناول الإمام مكبر الصوت وبدأ يتكلم عن فضل القرآن وأهله وجهود حلقات التحفيظ وختم بكلمته بأن الحلقات في هذا المسجد تستأنف من هذا اليوم وهناك مسابقات وزيارات وبرامج مصاحبة… في حينها انتهى أبي من الصلاة وقام بي مسرعاً بي يريد أن لا أسمع ما تبقى من كلام الإمام…!! بعدما خرجنا من باب المسجد قلت أبي “أريد أن أسجل بالحلقة” قلتها على استحياء ورأيت وجه أبي قد تمعر وبدأ يلف يمين وشمال بالكلام وقال يا سامي أهم شي دروسك والقرآن تتعلمه بالمدرسة..!! قلت مدرس القرآن يقول إلي مسجل بالحلقة أزيده درجات قال لالا المدرس ما يقوله وأنا أقابل المدرس واكلمه..!! في اليوم التالي حضر أبي إلى المدرسة واستدعى مدرس مواد الدين وقال له معاتباً لماذا تحمس الطلاب على شيء لا يستطيعه آبائهم ..!!! رد بتلطف المدرس وما الأمر؟ قال أبي بأن المسجد بعيد عن بيتنا وأنا مشغول ولا استطيع أن أذهب به يومياً وأتابع الولد…هنا حار المدرس لا يدري ما يقول وختم المجلس بأن نحرص على أبنائنا من ثقافة الشوارع بقدر ما نستطيع…أقنع أبي المدرس بهذا الكلام المخالف للواقع..!! فالمسجد لا يبعد عنا سوى خطوات معدودة.. ولكن أبي هذا ما يغيضه وهذا السؤال الذي حيرني منذ دخول المدرسة 6 سنوات وأنا في محاولات مع أبي ولكن كل مرة أزداد حيرة من أمري… وأبعدت عن طريق الخير وانضويت إلى مجاميع الشر وبدأت حياة المراهقة…
***
(10) محطة الفراغ..
كانت المرحلة مابين المتوسطة والابتدائية مرحلة نفور من البيت والبحث عن منابر الشهرة بين أزقة شوارع الحواري نتجول ومن مهاوي الرذائل نرتع..! لقد أضافت العطلة الصيفية بفراغها القاتل أسلوب غير وثوب مشبع بثقافة الشوارع..! وكان السبب الأول هو إهمال أبي لي والأمر الآخر فيصل صاحب الأفكار الخسيسة..كنت أخرج من بعد العصر ولا أدخل البيت إلا بعد منتصف الليل أو قبيل الفجر وأنا لم أزل صغيراً في سني..كان أبي يحاول أن يعدل من هذا السلوك ولكن لا فائدة فقد انقطع الحبل.. كنت أتتبع أخبار التفحيط..وأبحث عن مهاراته..أتقلب على فراشي متى أصبح مفحط مشهور يتبادل الشباب مقاطع لي متى ومتى ومتى..؟! حتى تصبح مرموق في هذا الطريق لا بد أن تتعلم مهارات السرقة وكذلك لابد أن تبقى صفحات السوابق لديك سوداء حتى تكون بذلك صاحب خبرة وتجربة..كل هذا تزينه لي تلك الشلة التي أعلنت الولاء لها.. أحياناً أخرج بنزاع مع فيصل لأنه ينقد على عدم شربي للدخان..ولكن الدخان منذ أن كنت في مزرعة جدي وأنا أكرهه بسبب جدي لقد غرس في فؤادي أن لا فائدة فيه سوى المتاعب والأمراض فلذلك كنت مصراً على رأيي إلى غيره من الأشياء التي لم أستسيغها ولله الحمد..غير أن أهل الباطل يبذلون الغالي والنفيس في تلميع باطلهم كانت حياة المتوسطة حافلة بالأحداث فكل خطوة تصيح بأختها كل ذلك بحثاً عن الشهرة..
***
(11) وشاح الزعامة..
قام أبي بعد أن فلت اللجام بنقل ملفي إلى المتوسطة التي في الحي المجاور لنا ظن منه أنها عادية ولا تضم أسطول من أفراد الشوارع..!! دخلت المدرسة وكأن الأنظار ترمقني فعندي إحساس أني مشهور…وبالفعل كانت هناك نشوة جعلتني أقع في مشكلة من أول يوم مع أحد زعماء الشلل في تلك المدرسة…لا أعرفه وظننته أنه لا يحمل رتبة عالية في شلته وهو بالفعل عندما رأى انقضاضي عليه في طابور المقصف ظن أني أقوى منه مما جعلني أسحب البساط من تحته من أول يوم..وفي اليوم التالي أتي إلي يطلب الصفح..وهناك تم الاتفاق بأن يعلن السمع والطاعة لي هو وأتباعه…وبالفعل أصبحنا نتبادل الخبرات والتحدث عن المغامرات.. لا يكاد يخلو أسبوع من مطاحنة مع الشلل الأخرى.. رغم هذا كله إلا أنني لم أزل اهتم بالاختبارات فدرجاتي عالية ولله الحمد…تمر الأيام ونحن في تطور للانحدار في المصائب… كان هاجسي منذ دخولي في المرحلة المتوسطة أن أملك سيارة أجوب بها شوارع التفحيط حتى تكتمل سعادتي هكذا كنت أشعر..!! كان من معي من الرفاق لديهم خبرة في سرقة السيارات بل أحيان يعرضون علي أي سيارة اختاراها ولكن كنت أمقت هذا التصرف..!! ويستغربون مني أني لا أشرب الدخان ولا أسرق…!!! وكانت المشكلة التي أرقتني أني لا أنام إلا على هاجس السيارة ولا أصحو إلا عليه..كنت ألح على أبي كثيراً غير أنه متيقن بأني سأعطبها في شوارع التفحيط لما يرى من شراهتي بها فغرفتي تعج بأشرطة التفحيط..!!
***
(12) تراحيب غير مقصودة..
أصبحنا نعيش في البيت كل شخص يعيش همومه أبي يعيش في ترهاته مع بعض كتّاب الجرايد.! وأمي قد انهمكت على “النت” وبعض أوقاتها على التلفاز..وأنا في همومي وطموحاتي أصحو وأنام عليها..كان أبي له اجتماع شبه أسبوعي مع بعض سناكحة المقالات..!! أبي كان له مقال أسبوعي تنتظره جموع السناكحة بوافر الصبر..يسب ويشتم بل ويكذب حتى تبقى مكانته ثابتة عندهم..في أحدى الاجتماعات الوقت في منتصف العصر وقد اجتمعوا كعادتهم وبدأوا يتشاورون في ما بينهم..!! عن ماذا نكتب وينقدون بعض المقالات وينقحونها..بقي شخص تأخر لم يحضر الاجتماع وكان أبي ينتظره.. فجأة دق جرس البيت أمرني أبي أن أدع صب القهوة وأذهب لفتح الباب.. فتحت الباب إذ بشخص قد خط المشيب أجزاء من لحيته…سلم علي بابتسامة ساحرة..لقد وقع حبه في قلبي من النظرة الأولى وسألني من أكون قلت سامي.. قال بن سعد قلت نعم..ما شاء الله ما شاء الله حمد لله إذاً لم أخطئ البيت..أبوك موجود؟..قلت نعم وعنده ضيوف..قلت له تفضل قال لا ناد أبوك..! ذهبت إلى أبي قلت خويك رفض يدخل…قال أبي أبوحاتم ما يخلي حركاته..! وذهبنا إلى الباب ونظر أبي إذ به ليس صاحبه احمر وجهه وتلعثم لسانه وحار فكره…! تعانقا طويلاً وكانت عبارات ذاك الشخص رنانة وتنبض من أعماق قلبه وأبي قلت حروفه واكتفى بكلمة حياك تفضل أبو أنس.. دخل أبو أنس إلى البيت وسط جموع السناكحة..!
***
(13) نكاية جرح..
قام جميع من في المجلس في انبهار متعجبين.. كيف أتى هذا الشخص.! كانت الربكة في محياهم واضحة فلا يدرون من يكون؟ هل هو رجل الحسبة أم متطفل أم ماذا..لكن أبو أنس صاحب حنكة عجيبة رحب بهم وكأنهم ضيوف وهو رب المنزل..! وبعدها عرف أبي به وعرفهم عليه.. خفض أبو أنس نظره قليلاً بعدما علم أنهم من سقطة المتاع من الكُتاب.. ثم بدأ ينثر عليهم من ثقافته وكأنه ممسك بلجام الحديث يقلبه كيف ما شاء وكانوا في البداية لم يتفاعلوا معه غير أنهم بعد ذلك أصبحوا يتشوقون لما يقول وبدأ يكلمهم بأنهم غفلوا عن مواضيع كثيرة لم يتطرقوا لها في مقالاتهم وبدأ يضرب لهم الأمثال في ذلك حتى أكاد أجزم بأن كل شخص وضع في باله موضوع من تلك المواضيع التي تناولها أبو أنس في القضايا الاجتماعية…لم يطل أبو أنس ووضع فنجاله وختم بعبارات لم تزل تهز مشاعري.. قال الله المستعان نحن نغفل كثيراً عما خلقنا لأجله بل تجد بعضنا في أرض المقبرة يبيع ويشتري وذاك يسب ويشتم…ولكن يا أحبة هي حقيقة لا بد أن نتفهما أننا سنموت ولكن أين وعلى أي حال لا ندري..أستأذنكم وقام وخرجنا معه…وعند باب البيت ألتفت إلي واضعاً يده على كتفي..وقال سامي كم تحفظ من كتاب الله…كان السؤال كالسوط على ظهري..سكت وخفضت رأسي وقلت لا شيء إلا قليل…نظر باستغراب وقال يا سامي لا تقل لاشي وإنما اجتهد وستحفظ القرآن كاملاً بإذن الله…أبي حينها أصبح منحرجاً جدا…وخرج أبو أنس وقد أنكى في ذلك الهم…وكذلك أثر في من حضر ذلك المجلس..
***
(14) إضراب قاتل..
بين جموع الشلة هذا يأتي بكذبة وذاك يصدقه وهذا وذاك.. غير أني بينهم غارق في تفكيري كنت أتمنى أن أمتلك سيارة في القريب العاجل جميع رفاقي يشاركوني الهم كيف لا وأنا من يتصدر مجالسهم كما يتصدر أبي مجالس السناكحة…! فأنا أعرف أن أبي لا يبالي بالمال فالحال ميسور ولله الحمد.. كنت أفكر كيف أقنع والدي بالفكرة وإذا بأحدهم يطرح فكرة في الصميم…!! وهي أن أمتنع عن الأكل وأعتزل في غرفتي..!! كانت الفكرة ثقيلة غير أنها قد تكون الأنجع في ذلك..وبالفعل دخلت البيت وأغلقت الباب وأحياناً أجهش بالبكاء علهم يسمعون صوتي ويرأفون لحالي… شعرت أمي بأن هناك أمراً ما ؟ حاولت الدخول علي غير أن مغلق الباب تنادي بألطف العبارات لكن بالفعل أحسست أني أسير على تمام الخطة…! فبالضغط على أمي ستضغط حتماً على أبي..! وبعد فترة أتي أبي يحاول يفهم الوضع ولكن لا جدوى… في اليوم الثاني خرجت من الغرفة وأبي وأمي في الصالة قد تعكرت حالهم وما إن رأتني أمي لم تصدق جلست على استحياء بالقرب منهم سألتني ما بك يا سامي سكت ولم أجب وسألني أبي كذلك ولم أجب ثم حاولت استمطار دموعي ودخلت الغرفة مجدداً هنا جن جنون أبي وكأنه في قرارة نفسه لو أريد ما أريد سيرضيني…وبعد طرق للباب دام وقت طويل..فتحت الباب وأنا أجهش بالبكاء…ما بك يا سامي قلت يا أبي جميع رفاقي يمتلكون سيارات “إلا أنا وش فرقي عنهم”..هنا ضحك أبي مادام هذا الأمر المزعج لي وقال لا يهمك يا ولدي الأسبوع الجاي السيارة إللي تبيها قل هذي وأبشر بسعدك..
***
(15) أمامك تحويلة..
لم أصدق ما نطق به أبي.. وعلى الفور ذهبت أبشر أصحابي..فهذا يقول عليك بالكامري وذاك بالماكسيما وذاك وذاك…لم يكن النوم ليداعب جفوني في تلك الليلة فأنا أسرح وأمرح في أحلام اليقظة… تمر الأيام واللحظات وهي تمشي ببطء شديد… حاولت أن ألتقي بأصحاب الخبرة في مجال التفحيط وأستشيرهم عن ما هو الأفضل في ذلك وجدت أن تلك الفترة الأنظار متجهة إلى “الماكسيما” نظراً لخفتها وسرعتها الجنونية…وأتى اليوم المرتقب.. وأشرت إلى أبي إلى” الماكسيما” وبالفعل بعد ثلاثة أيام استلمت مفتاحها ليطير قلبي فرح… وبدأ يتوافد على الشباب كلاً يقول أنا صاحبك الوفي…وهكذا أصبح وأمسي وأنا أسير وراء مواكب التفحيط من شارع إلى شارع..أخرج العصر البنزين فل وأرجع في آخر الليل ولم يبقى فيه إلا القليل.. وهكذا تمضي الأيام حتى حانت ساعة الصفر… واستجمعت قواي لأخوض المغامرة في هذا المجال حتى أسمع ضجيج الجماهير وتصفيرهم لي..!!! ركبت أنا ورفاقي الوافين..!!! واتجهت حيث تجمع الشباب وبدأت أموج بالسيارة يمنة ويسرة وهكذا وبالفعل ضجت الجماهير من هذا الصغير( فأنا لا أزال في ثاني متوسط) راعي الماكس ومن هذا القبيل…في إحدى الشوارع كنت أحاول أتدرب على بعض الحركات ومعي رفاقي والشارع فاضي من الناس بل يكاد لا يمر معه..! غير أنه وسيع ومناسب للتدريب..! وانطلقت بأقصى السرعات حتى تكون الحركة في تمام الإتقان لا أدري أين ذهبت..!!! السيارة بدأت تتفلت مني ..!!! لا أسمع إلا أصوات انفجارات الكفر وصريخ الحديد يالله لا أرى أين طريقي…! فجأة إذ بي أشعر بدوخة شديدة وألم أسفل الظهر..أما رجلي فلا أستطيع تحريكها بل لا أشعر بأنها معي… صرخت رفاااقي ففروا هاربين..! حاولت الخروج من السيارة غير أن العمود قد حطم نصف السيارة وجمع الحديد بعضه على بعض..! التفت إليهم وقد سابقوا الريح مولين.. لم يبالوا بما حصل لي… بل لم يدنو مني ليتهم اتصلوا بالإسعاف..! ولكن كنت أنا الضحية وبدأت الشمس تحرقني وتلهب جروحي ولا أحد يمر من على ذاك الطريق..
***
(16) إجازة مرضية..
بقيت أُصارع الألم وأُقاسيه الشمس حارة جدا… بدأت أشعر بحالة غثيان وصداع شديد عندما أفكر في شيء أجد أني أنساه.. وهكذا مر بي ما يقارب الساعة وأنا أغط في سبات عميق..!!! أتى من أسعفني…أربعة أيام مضيتها في العناية المركزة في غيبوبة لا أدري من أتي ومن راح.. بعدها فتحت عيني إذ بأبي وأمي وعلى وجوههم الحسرة والقلق لا يعلمون ما هي نهايتي وما حل بي..!! أردت أن أتكلم ولكن أشعر بأن لساني ثقيل جدا..وكأني للتو في الحادث..!! بكى أبي من الفرح عندما رآني فتحت عيني لأن الطبيب يقول قد تستمر هذه الغيبوبة إلى أمد بعيد.. نظرت إلى قدماي وقد لفها غلاف ثقيل!! لقد هناك كسور مضاعفة في الفخذ والقدمين.. أشعر وكأن رقبتي قد انتفخت إذا بها قد لفت بقطع سميكة..! كان هناك كسر في إحدى فقراتها..من الآن وصاعداً سوف يصبح السرير الأبيض صديقي فترة شهرين كاملين.. كنت مدهوشاً فلحظات الحادث تمر بي كل حين..!! أزداد غيظي عندما أتذكر رفقاء “المصلحة” عندما يركضون مسرعين لم يلتفتوا إلي… كنت على أمل بأن يزوروني ويسلوني ويخففوا عني مصابي بل حتى جوالي لم يهمس برنة من تلك اللحظة.. كان الحادث بعد شهر من العطلة الصيفية.. وبقيت شهرين عانيت فيها من طفش والنكد والألم… أصبحت في سجن دون قيود ولا حراس… أهلي سئموا من تكرار الزيارة لي فأصبحت يوم أراهم ويوم يعتذرون لي بتفرغهم لمشاغلهم..!! تعرفت على أُناس كثر.. شد انتباهي وعلق في ذاكرتي منهم شاب مستقيم في مرحلة الثانوية كثيراً مايزوه أصحابه وأحياناً يفتحون الستار بيني وبينهم أتحدث معهم… فعلاً والله أحببتهم ورأيت في محياهم البشر والسعادة… بل أحياناً أتمنى أن أهلي لا يزوروني حتى أجلس معهم… يستقبلوني ببشاشة ودعاء ويودعوني كذلك..الله ما أطيبهم وأسعد مجالسهم.. مرة الأيام وخرج صاحبي وحزنت والله لخروجه من المستشفى لأني لن أرى تلك الوجوه مرة ثانية..!!
***
(17) إعاقة مؤقتة..
كانت الحياة في المستشفى مريرة لا أنساها من عمري ..! كنت في أيامي قبل الأخيرة على وشك الخروج .. قد بلغ بي الملل مبلغه كيف لا وأنا مستلقي على ظهري طوال تلك الفترة..!! كانت التقرحات التي في ظهري تؤلمني كثيراً من طول المكث على جنب واحد.. أذكر في أحد الأيام بعد العصر أهلي اتصلوا بي يعتذرون عن الحضور لوجود ضيوف عندهم بالبيت.. فجلست في صراع نفسي عندما أتذكر رفاق المحنة الذين جحدواْ كل معروف معهم وتركوني وحيد..! عندما أتذكر ذلك الموقف أزداد غبن وغيظ…! كانت الدموع تخط مجراها على خدي عليّ أفرغ ما بصدري.. وفجأة إذا بشخص يستأذن علي بالدخول قلت تفضل… رفع الستار إذ به ذلك الشاب الذي كان سريره بجانبي قبل فترة ..! يالله يا لها من فرحة غمرتني وأزاحت ما بقلبي من هموم وإذ ببعض رفاقه قد أتواْ معه… وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث حتى ارتفع صوت أذان صلاة المغرب واستأذنوني في الخروج.. خرجواْ جميعاً وبقي صاحبي أدلى إلي بهدية مصحف وبعض الكتيبات ووضع رقمه في طرف إحدى كتاباته… “يقول إذا خرجت أخي سامي لازم تواعدنا بزيارة” انصرفوا وتمنيت لو مكثو معي أكثر من ذلك… بعد عدة أيام أتي إلي الطبيب يبشرني بالخروج من المستشفى.. يا له من هم انزاح عن قلبي يا له من حمل ثقيل وودعت من هم في غرفتي واتصلت بأبي أبشره لينقلني إلى سريري في البيت..!! مرة الأيام وبدأت الدراسة ولكن ظروف إعاقتي المؤقتة لا تسمح لي بالذهاب إلى المدرسة… وبعد مضي أكثر من نصف الدراسة أصبحت أمشي بأربع أرجل..كنت أمشي بين جمع الطلاب في مرحلة الثالث متوسط بمعكازي.. كنت في حينها اشتهي لعب الكورة أتمنى أني أركض بأقصى سرعاتي… ولكن ظروفي الصحية لا تسمح… كان أول قرار اتخذته آن ذاك.. هو قطع جميع العلاقات مع أصحابي السابقين لأنهم يذكروني بمعاناة لا تزال تحرقني في صدري..!!
***
(18) نمط جديد..
بعد انتهاء الفصل الأول تم فك القيود عني.. لم أكن لأمشي عدة مترات إلا وأهوي إلى الأرض أشعر وكأني صبي صغير في فترة يخطو خطوة ويسقط تارة.. مرت عدة شهور لم أحني ساقي.. لذلك كانت مشيتي متعبة جداً… مع بداية الفصل الثاني كنت قد تجاوزت كثير من المراحل صرت أمشي لكن ببطء.. في فناء المدرسة أتى إلي رفاق المحنة يستهزئون بي ويتهكمون بمشيتي..!! كم والله كان في القلب من حرقة غير أني لا أزال ضعيف… حمدلله بعد مرور الأيام والعلاج الطبيعي وبعض التمارين عدت إلى حيث كنت ولله المنة… بدأت أمارس حياتي الرياضية بكل أمان.. عادت إلى نشوة المراهقة..!! وحرارة الانتقام…! ذهبت إلي من كان يتهكم بي..! لتبدأ المعركة الشرسة التي دامت تغلي في صدري منذ شهور وأيام..! لا أدري من هجم علي ممن سقط تحت جنازير أقدامي..! انتهت المضاربة بعد أن أمسك بي المرشد الطلابي وبعد نقاش طويل واستدعاء والدي تم نقلي إلى مدرسة أخرى بطلب من أبي خوفاً من استمرار المشاكل… انزاح عني هم كبير..!! وبدأت أبني شخصيتي الأصيلة السكون والهدوء..!! أصبحت متابع للمباريات ولبعض الأفلام والمسلسلات قليل ما أخرج من البيت أقضي بعض أوقاتي بين صفحات النت.. أصبحت أمقت شيء يقال له تفحيط بل بعض الأفلام عندما أرى فيها من هذا القبيل أعرض عنها….! مرت الأيام وفي منتصف الفصل كانت الأنباء تتوارد ببشائر الربيع..! لكثرة الأمطار في تلك السنة كنت اسمع هذا الكلام كثيراً في المدرسة غير أني لم أفرح كثير لأن بيتنا يهمه ربيع بريطانيا .فرنسا..إلخ من تلك الدول.. التي تعاقدت معي أبي كل سنة غير السنة التي أصبت فيها بالحادث..مع مرور الأيام كنت أشعر بقلق داخلي فكثيراً ما تنتابني مثل هذه الحالة حينها يصبح كل شيء ممل جدا… خرجت على عتبت بيتنا أرقب المارة..!! كان الجو غيوم ونسائم هواء عليل شد انتباهي في آخر الشارع سيارة “هايلكس” متعطلة جلست أمعن النظر فيها..!!
***
(19) عربون صداقة..
نزل من السيارة شاب طويل القامة ملتحي ونفذ عن يديه وفتح كبوت السيارة خرج دخان كثيف نزل من في السيارة شباب في أعمار الثانوي إلتفو حول هذا العطل.. دفعتني أسباب التطّفل لأعرف ما حصل لهم أتيت أمشي إليهم.. كيف حالكم يا مطاوعة سلامات.. التفت إلي صاحب السيارة مبتسم ومد يده لي ليصافحني.. ثم أردف بلطافة أعجبتني قال أبد سلامتك وأنت ساقك الله لنا بيتك قريب وأنت راعي فزعة لاهنت “جركل ماء” الموتر عطشان شوي..! صراحة وجدت دافعية واستجابة لسحر كلامه.. انطلقت مسرعاً إلى البيت.. أتيت بما يريد.. قام بفتح غطاء اللديتر..! وبدا البخار يشق طريقه.. ثم أسرعت إلى البيت واتيت بعصير لهم كان عددهم أربعة مع مشرفهم.. بعد أن رويت السيارة وقام بتشغيلها بسلام.. كان صندوق الهايلكس محمل بالخيام..!! قلت لهم مستغرب..! ما شاء الله المطاوعة يكشتون ولا أيش..؟ ضحك صاحب الموتر وقال لي ترى ما شفت شيء.. قلت لهم ممازحاً معكم مكان.. قال أبد حياك الله ولنا الفخر والله وشف المطاوعة في مكاشيتهم كيف..! اعتذرت منهم لأني أعلم علم يقين أن أبي سيرفض رفضاً تام… رجعت إلى البيت وقام بمناداتي بمنبه السيارة يلوح بيده أن جزاك الله خير وفي أمان الله… دخلت البيت وأنا أتمنى لو كنت رفيق لهم بعيداً عن أمواج الغواية.. لأني أرى في محياهم الأنس والسرور.. وجوههم تزينه الابتسامة وكلامهم يحليه صدق العبارة.. مرت الأيام وفكر مشغول بهم .. كان لذلك اللقاء أثر علي بأن صرت أرتاد الصفوف الأولى في المسجد.. وفي يوم السبت في مدرستي الجديدة.. كان مدرس الفقه.. يتكلم بعد انتهاء شرحه من الدرس عن التوبة كلام كان له قرع في صدري.. وتكلم أن المرء إذا لزم طريق الخير لابد له من أعوان يعينونه على عقبات هذا الطريق.. وهكذا كان حديثه حتى انتهت الحصة.. خرجت خلفه مسرعاً.. أستاذ ناصر.. التفت إلي وبدأت أشكو له ما أنا عليه وأني منذ الابتدائية وأنا أحاول الدخول في حلقات القرآن غير أن أبي يمنعني من ذلك والأستاذ منصت لكلامي حتى انتهيت.. وقال لي لا تقلق يا سامي عندك باب مفتوح عليك بالدعاء ألح على الله أن يفتح قلب أبيك حتى تظفر بالخير ألح فو الله لن يخيب الله رجاءك وستجد ما تقر به عينك..
***
(20) أسئلة حائرة..
لاحظ أبي انطوائي ما بعد الحادث وازداد ذلك في أيامي الأخيرة..!! حاول أن يغطي فراغي ما بعد المدرسة في مساعدته في مكتبه العقاري.. وكان العرض بالنسبة لي رائع.. بحيث أتشاغل عن همومي واقطع وقتي الممل..! مرت الأيام ونحن على هذا المنوال.. كنا عند إحدى الإشارات في شرق الرياض نتجاذب أطراف الحديث… فجأة صمت أبي وانقطع الحديث.. جلس يقلب ناظريه يمنة ويسرة ..! بل وذهب مع طريق لم أعتاده.. كنت أحاول أن أتكلم غير أن أبي قد فصل موجة الاستقبال وأصبح يسرح في تفكير عجيب تعابير وجهه زادت استغرابي..!! انتهى بنا المطاف عند جامع فسيح كانت السيارات تلتف من حوله…! نظرت إلى أبي مسجد ونحن في منتصف العصر.. بل صلينا سوياً في مسجد حارتنا..!! وضع أبي كفه على وجهه بعد أن صفعه صفعه قوية… وبدأ يهز رأسه يمنة ويسرة..!! فجأة انفرط أبي في البكاء.. صراحة بدأت ترتجف أطرافي وازداد نشيج أبي..! يا لله أبي أرجوك ما الأمر..؟؟ لا جواب سوى النحيب…!! كنت اسمع كلمة يرددها أبي في هذا الموقف ” الله يذكر أيامك بالخير يا بو أنس” ..!! حاولت تهدئة أبي نزل أبي وأمرني بأن أقود السيارة رجوعاً إلى البيت…! كنت في تلك الفترة قد كرهت السياقة كرهاً شديداً….! طوال طريق الرجعة الصمت يخيم على السيارة.. أبي هدأت نفسه وبدأ يستغفر ويحوقل وتارة يدعو.. كنت حينها في غاية الاندهاش..!! تواردت الأسئلة في مخيلتي تريد جواباً… ما علاقة المسجد الذي توقف عنده أبي يحلق ببصره فيه حتى دمعت عيناه.. وما علاقة الموقف بأبو أنس؟؟ دخلت البيت وأنا في حيرة..! دخل أبي البيت وارتمى بجسده في الصالة.. ذهبت مسرعاً إلى المطبخ وأتيت بكأس ماء عله يطفئ عن أبي ما ألم به… جلست أمي بجانب أبي تسأل عما حصل له.. لم يرد لها جواباً.. ثم نادي بصوته المبحوح سامي.. ســـــامي..!!
***
(21) الجزء المفقود..
جلست إلى جانب أبي وعيناي تتوقد دموعها أبي ما ذا تريد ؟ كان الموقف له هيبته كيف لا والصمت يعم المكان ولا صوت إلا أنين أبي..!! نظر إلي أبي وقد تحدرت دموعه ! شد على كتفي و حروفه تتلعثم..!! سامي سامحني فقد أخطأت في حقك يا ولدي.. حركت كلمات أبي مشاعري وإن كنت لم أفهم فحواها..!! سكت لم انطق بكلمة وإنما واصلت العبرات تعبيرها.. سامي صحيح إني أبوك أشفق عليك لكنني ظلمتك يا ولدي بحرمانك أحلى أيام عمرك بأن جعلت لك صنوف البلايا ممهدة أمامك..! وحرمتك من مرابع ضميرك وهداية روحك.. حرمتك أن تتلذذ بكلام رب العالمين.. حرمتك من انشراح صدرك يوم أن العم بأسره يبحث عن هذا الانشراح في غير مرضاة رب العباد.. سامي أنا عشت أيام من عمري لا أنساها ولازلت أذكر طيفها حتى الآن..! عشتها في محاضن حلقات التحفيظ وحرمت إياها لأن جهلت ما أنا عليه بل وتنكرت له.. سامي أنا رجعت من تلك البلاد وأنا أظن أني قد أتيت بالتطور والنفع لأهلي ما علمت أنا المسكين أني ضيعت زهرة حياتي.. سامي لا تظن أن من ترك العنان لشهواته سعيد..!! لقد فكرت في الانتحار مرات ومرات من مرارة ما عشت في ظل هذه العيشة الزائفة.. سامي هاكها نصيحة مجرب.. أهل القرآن لا تبغي بهم بدلا.. حتى وإن قست الظروف عليك .. والله ثم والله ستذكر ما أقول لك ولو بعد حين.. هم والله من تعلمت منهم الخير وأنست بالقرب منهم..و لكن لما ابتعدت عن رياضهم حلت النكبة… فيا بني سامي ما ذا قلت في أمرك…؟ التفت إلي أمي وقد اختلطت دموع الفرح بالحزن.. آه يا سعد كم كان حلم لي بأن أراك قد عدت إلى مجراك الطبيعي..!! كانت الجلسة تغطيها الدموع الحارة.. نعم كان هذا الأمر الذي فقده من حياتي.. وكيف بي وأنا وجدته بعد تلك السنين..
***
(22) عودة صادقة..
شعت أنوار الهداية في بيتنا.. واعتلى صوت القرآن فوق مزمار الشيطان.. لم تكن عودة وتوبة أبي بالأمر الهين..! فمن وراءه ذلك الجمهور الذي ينتظر مقالاته بشوق..!! كتب في زاويته المخصصة مقال بعنوان ” من خلف الكواليس” فضح فيه خطط ومؤتمرات السناكحة بكل وضوح وعلى المكشوف.. لم يكن المقال لينشر لولا أنهم اعتادوا بالمبادرة في عرضه دون تدقيق أو رقابه..!! ليسقط الفأس على الرأس… ضجت الصحف والمنتديات بل والمجالس بهذا الأمر..!! مما انتهى الأمر بعد مكالمة حارة من رئيس تحرير تلك الجريدة بإقالة أبي..!! أبي كان يضحك عندما قال له رئيس التحرير تلك الكلمة.. ظناً منه أن أبي تهزه مثل هذه التحديات.. لا تسل عن الاتصالات من رفقاء الظلام..! ورسائل العتاب واللوم..!! بعد عدة أيام هدأت العاصفة وذاع خبر أبي بين أهل الصلاح.. رفع أبي جواله متصلاً بشوق على حبيب قلبه ورفيق دربه أبو أنس معلناً تجديد عهد الصداقة ووفاء بالجميل ونكر نكرانه..!! كان أبو أنس في سفر وواعد أبي عصر يوم الخميس القادم بأن يشرف بيتنا.. ما أسرع الأيام وأحلاها.. كان أبي ينتظر قدوم أبو أنس بكل شوق.. هلَ البشر بمقدمه كان أبي يترنم بأجمل عبارات الترحيب ممزوجة بدموع الاعتذار وابتهاج الضمير..نظرت إلى ذلك الوجه المنير.. أمرني أبي بتقبيل رأسه .. ثم أمرني بالانصراف.. واستمر حديث أبي مع أبى أنس حتى الغروب.. بل أقسم أبي بأن العشاء حاصل هذا اليوم.. في المغرب جلست بينهم.. أتحسس ما يقال.. كانت الذكرى مدار حديثهم.. يتذكر أبي أيامه مع مشرفه أبو أنس في حلهم وترحالهم.. يسأل عن فلان.. ويترحم على فلان..!! ويسأل الله الهداية لفلان..!!! في جلستنا على مائدة العشاء التفت إلي أبي ودواعي السرور على وجهه ثم قال لأبو أنس هذا سامي سينضم إلى الركب.. ولكن هل لك أن تبحث عن شباب مكتبة قريبين منا..!! ابتسم أبو أنس وقال عندكم أقوى المكتبات نشاط “حلقات المهاجرين” كيف تفرط فيها.. علامات الإحراج بدأت على وجه أبي وقال تعرف أبو أنس نحن أبعدنا عن الشباب وليس لي بهم علاقة..!
***
(23) الموعد المرتقب..
أخرج أبو أنس جواله وبدأ يفتش في أرقامه بحثاً عن رقم “أبو مهند” مشرف حلقات المهاجرين .. لحظات ويرفع أبو مهند السماعة.. وشرح له أبو أنس حالي وقال هذا ولد أحد الأخوة عزيز على قلبي يرغب في مشاركتكم..!! سكت أبو مهند قليل.. وقال يا أبو أنس الوقت هذا صعبه شوي لأننا في آخر سنه لكن خله بداية الصيفية تكون بداية دخوله.. ابتسم أبو أنس وقال هذا هو المناسب..! وانتهت المكالمة.. التفت إلي أبو أنس وهو يرى في وجهي علامات البشر والسعادة.. قال الآن يا سامي اجتهد في دروسك ولا تهتم من الأمر وبإذن الله بداية الصيفية.. ستكون البداية المشرقة لك مع شباب الخير.. غادر أبو أنس دارنا وتركني أسرح في أحلام اليقظة..! أطلقت لخيالي العنان كيف ستكون حالي معهم وقد يئست من تصرفات أبي السابقة.. بالأمس القريب أبي يمنعني منهم واليوم أبي يدفعني إليهم..!! اللهم لك الحمد .. في المدرسة رأيت شاباً في صفي ملتزم وكنت معجب بشخصيته كيف لا وهو يتعرض لأنواع الاستهزاء والسخرية بينما هو لا يأبه بما يقال له.. بل إن صحت العبارة فقد وهبه الله لسان طليق.. يقطع به من يتجرأ على مخاصمته..!! أتيت إليه يحدوني الشوق.. ولم تكن لي معه أي علاقة.. غير أنه بعد عهدنا الجديد قررت أن أربط علاقتي معه.. أتيت إليه وهو خارج من فصله.. سلمت عليه وصافحته.. وتشابكت أكفنا ببعض.. نتجول في فناء المدرسة في وقت الفسحة.. وبدأت أتحدث معه هل هو ملتحق بحلقات التحفيظ.. فأجابني بنعم.. ثم بدأ يسترسل في شرح برامجهم.. ويتحدث عن رحلاتهم وأسفارهم.. وأنا صامت لا أنطق بكلمة وإنما أعيش في تصورات خيالي عما سأراه في العطلة القادمة..! وبعد فترة من تآخينا.. كنت أعرف أسماء طلاب حلقتهم وأنا لا أعرف أشكالهم من كثرة ما يتحدث عنهم.. وفي أيام الاختبارات كانت تغمرني فرحة عجيبة.. بل إن جل وقتي في التفكير فيهم.. حتى حانت ساعة الصفر..! وسلمت آخر ورقة اختبار.! وودعت مرحلة المتوسطة برمتها.. وأنا في سير للموعد المرتقب..!
***
(24) احراجات مستجد..
اتصل أبو أنس مخبراً أبي أن الشباب غداً عندهم طلعة في استراحة..وأعطى رقمي إلى أبو مهند..في اليوم التالي اتصل علي رقم أبو مهند وقد سجلته من أبو أنس.. صراحة كانت نبضات قلبي تزداد عندما رأيت رقمه على الشاشة.!!.سلام عليكم.. حياك الله الشيخ سامي..أنا الآن عند محل (..) وين ألف..! ووصفت له موقع البيت بتلعثم عجيب فشخص لا أعرفه وكذلك هو مسئول الحلقة.. أصوات منبه السيارة بجانب البيت.. خرجت فإذا الموقف محرج جداً جداً.. الهايلكس التي قمت بمساعدتهم قبل فترة..!!! وكذلك السيارة شبه مزدحمة..!! مجموع عددنا ست أشخاص.. خرج أبو مهند ذلك الوجه البشوش.. وعانقني معانقة شديدة.. يقول حيالله راعي الفزعات جزاك الله خير وبدأ يسترسل في الكلام..أنا ضاقت الكلمات في فمي.. بل كنت أرد بكلمات ليس لها شأن في الموضوع.. يسأل يقول ما قصرت معنا.. وأقول والله كلهم بخير..!! نزل الشباب يسلمون على (المستجد الحبيب..!!) ثم بدأت المهاوشة.. والله لتركب قدام والثاني يدفني وذاك يش?
عالم البنات النسائي كل ما يخص المرأة العربية من ازياء وجمال والحياة الزوجية والمطبخ