قصة حب مجوسية –

قصة حب مجوسية
عبدالرحمن منيف

العتبــــة

لا أطلب منكم الرحمة، ولاأريد عطفكم. أذا كنتم محسنين فامنحوا صدقاتكم للمتسولين. أنا لست متسولاً ولامسكيناً، كما لا أعتبر لصاً او قاطع طريق. ومع ذلك فان لي مشكلة. ومشكلتي ، دونكلمات كبيرة، ان الألم يعتصر قلبي ، ليس هذا جديدا بالنسبة للحياة التي أعيشها ،لكن الأمر ، في لحظات معينة، يبلغ حداً لا أستطيع أحتمالهز ومادام الأمر هكذا ، فأنالكلمات ـ في بعض الأحيان، وسيلة لانقاذي. لست متأكداَ. أتصور ذلك ، ويحتمل أن يكونالحديث ، خاصة معكم، ألماً جديداً ، أتلقاه من عيونكم الميتة الساخرة ، لا يهم ،قولوا أي شيء ، ومع ذلك يجب أن أتكلم.
تقولون أحلام؟ مراهقة؟ حرمان؟ يمكن انتقولو أي شيء . ما أحسه ، حباً حقيقياً. اذا تذكّرت أرتعش ، أحزن ، تدوي في رأسيأفكار لا حصر لها. وبعض الأحيان تجتاحني رغبة للبكاء.
ذات مرة ، أخذت أروي القصةلصديق. قبل أن أنتهيابتسم. ابتسامة بين الاشفاق والسخرية. ولما قلت لهبتأكيدأخرق((أني أحبها)) أجابني بهدوء لزج مدمر ، وهو يطبطب على يدي:
– احرصعلى أن لا تتحدث عن ذلك ، مرة أخرى خاصة مع غيري.
صرخت وقد تملكني الغضب:
– ولكني أحبها0وظلّت نظراته الباردة تخترقني . شعرت بنفسي عارياً ذليلاً.
دهشتأول الأمر، فقد كنت أتصوره الأنسان الذي أبحث عنه لأبوح له بهذا العذاب، لكن ماكدتأرى هدوءه، ثم أبتسامته الساخرة، حتى با لأنسحاق . صمت . عندما رآني طعيناً مهزوماًاستدرك . أخذ يحاول الابتسام بطريقة مختلفة، لكن كل شيئ قد أنتهى.
وبطريقة حكيمةوباردة انزلقت من فمه كلمات جديدة:
– تمر على الانسان حوادث كثيرة، والعاقل منيتخلص من الأوهام بسرعة!
صرخت وقد عاودني الغضب مرة أخرى:
– ولكن ما أحس بهليس وهماً. انه الحقيقة، أنه أكثر واقعية من وجودنا ، نحن الأثنين.
وفجأة شعرتبنفسي أمتليء تحدياً وأنا أضيف:
– تأكد أني سأراها0وأصاب لهاثي عطب مفاجىء . خرج صوتي مسكيناً وأنا أقول:
– وقد نعيش الأيام الأخيرة من العمر معاً!
تنفستبصعوبة لما قلت هذه الكلمات ، تطلعت اليه لأرى وقعها. اعتكر وجهه وكأنه رأى فيعينيّ بريقاً ملوناً من الخوف والشك ورغبة النتحاب.
قال وابتسامة السخريةوالشفقة تترافقان:
– اذا كنت تفكر بهذا فأنت لست حالماً فقط، بل وتحب ان تعيش فيالأوهام!
وبدأ يتكلم في موضوع آخر لكي لا أعاود ذكرها من جديد.
***
هليمكن اعتبار ماحدث قصة ؟ هل يمكن اعتباره قدراً ساخراً؟ لا أريد الضياع في غياهبالكلمات العمياء، فالمشاعر التي تسطير عليّ حين أتذكرها تجعلني أقرب الى المجنونوالأوقات التي يمر فيها طيفها كثيرة لدرجة لا أستطيع أن أفكر بغيرها.
ومثلما قلتلكم، لا أطلب الرحمة ، فأنا أحتقر هذه العاطفة الذليلة. ولا أريد أن آخذ رأيكم ،فهذا الرأي ، اذا انزلق من شفاهكم الرخوة ، لن يكون ، في أحسن الأحوال، أكثر رأفةبقلبي من رأي صديقي.
ومادام الأمر هكذا ، وما دام ضني بكم سيئاً لدرجة كبيرة ،قد تسألون : لماذا اذن أقص عليكم هذا الذي حصل؟ وما أريد منكم؟لكي أقطع عليكمالطريق، وأسد أفوهكم أقول:
أن الكنيسة الكاثوليكية ، الرحيمة القلب، جعلتللأنسان طريقاً للخلاص ، عندما كلفت الأباء المقدسين بتلقي الاعتراف.
كما ان علمالنفس المعاصر ، بالضوء الخافت في غرفة الطبيب ، والمقعد الوثير الذي يستلقي عليهالمريض، أوجد طريقاً لاذابة العذاب ، تمهيدا للشفاء ، وأنتم ، هل أنتم آباء الكنيسةأو أطباء نفسيون تتلقون الا عتراف؟مرة أخرى لا يهمني . أريد أن أقول ما حصل . سأقول ما حصل حتى ولو…. وانتم، أذا شئتم أقرأوا، وأذا شئتم كفوا عن القراءة ، حتىلو قرأتم فلن تضيفوا أية صفة جديدة للصفات الكثيرة التي أعرفها عن نفسي!
الجبـــــل
حدث ذلك في الصيف.. أواخرالصيف 0بعد ريح هوجاء نلبدت السماء بسرعة ، وهطلت أمطار غزيرة . كنت في ذلكالوقت على ضفاف البحيرة. كنت أفكّر، بغموض ، بذلك الهم الصغير الذي بدأ يغزوقلبي.
بعد الزخات الأولى شعرت بالنشوة، لكن لما رأيت المطر يشتد ركضت لأصل الىشرفة الفندق. تبلّلت وأنا أركص ، وما كدت أقف تحت الشرفة ، وأخرج منديلاً لا أمسحرقبتي ورأسي ، حتى شعرت بلذة المطر من جديد. كانت برودته الناعمة اللذيذة تنزلق منرأسي مباشرة لتدغدغ كل خلية في جسدي، ثم تستقر في العظام . تركت قطرات المطروالبرودة تتسرب . كنت بجاجة الى ذلك. لكن في لحظة ما (كانت لحظة غامضة وغريبة) أحسست ان عيوناً من وراء الزجاج تراني ، وان منظري يثير السخرية . التفت لأرى ،لأعتذر (ويخيل الي ان صورتها كانت تطفو في ذاكرتي) واذا بعيوننا تلتقي.
المرةالثانية تلتقي عيوننا خلال نفس اليوم.
كانت المرة الأولى قبل الظهر . كان الجوحاراً ثقيلاً . نزلاءالفندق على شاطىء البحيرة . نساء أقرب الى العري ، رجالبكروش صغيرة مرتاحة وظهور محروقة ، أما الأطفال فكانوا يبنون بيوتاً ثم يهدمونها ،دون تعب

كنت في ذلك الوقت أمتلىء ضجراً. الكتاب بين يدي أصبح عدواً بعدان تحولت حروفه الى غيوم سوداء بلا معنى 0لم أستطع القراءة، ولم أستطع أن أفعلشيئاً، خاصة بعد ان شعرت ببرودة مياه البحيرة ، والتي لم أقو على احتمالها أكثر منبضع دقائق . كان الناس حولي عوالم منغلقة، او هكذا كانت الصورة ، وانا أمر علىالأجساج والوجوه.
في لحظة ، لا أعرف أية لحظة، التفت عيوننا . كانت قريبةومضطجعة على بطنها أول الأمر. كانت تعبث بعصا صغيرة على الرمل ، لكن ماكادت نظراتيتزحف على ظهرها ، حتى أرتعشت ، أنقلبت بسرعة ونظرت نحوي مباشرة ، وفي تلك اللحظهالتقت نظراتنا0يجب أن تصدقوا أن في الانسان شيئاً غامضا وحيراً ، اذ ما أقولهلكم ، انه الحقيقة. الحقيقة المطلقة والوحيدة0عينان تترجاجان بالحزن . شفاهرقيقة والسفلى مرتخية باثارة موجعة ، أما الوجه فقد لوّحته الشمس ، فبدا غامضاًومجبولاً باللذة والفجيعة وملعوناً. عند الوجه توقفت . لم أر جسدها العاري. ولاأدري لماذا سولت عليّ مشاعر قاسية أقنعتني أني لا أملك حق النظر الى جسدها. وفيلحظة أخرى أستبد بي شعور أقوى بأن نظرتي لو امتدت الى ذلك الجسد يمكن أن تلوثه . أتذكر أنها كانت تلبس مايهاً أصفر ، ولا أتذكر شيئاً أكثر من ذلك.
دامت النظرةدهراً . كانت نظرتها حنونة وعابثة. نظرة طفلة شقية ونظرة أو . رأيت في عينيهاعالماً من الخصب والرعونة ، عالماً لا نهاية له . فرحت. كدت أقفز من الفرح. لم أعدأرى غيرها . وددت أت أصرخ . أن أرقص . أية أفكار أخرى عبرت رأسي ؟ ثقوا ، حتى هذاالوقت المتأخر ، لا أعرف! شعرت بالجنون. شعرت برغبة الحياة تتدفق في جسدي . تأكدتفي تلك اللحظة ان الضجر أكذوبة أختلقها الوجوديون والناس المترفون. قلت في نفسي : ((لا يمكن أن أتنازل عن هذا الفرح)) كان الفرح يزلزني . يتفجر في داخلي كطوفان. هلطالت النظرة ؟ هل رآها غيرنا؟ ثقوا أني لا أعرف.
عندما وقف نظر حواليه . كانتنظرته عجولة ولا تحمل تساؤلا من أي نوع . نفض عن بطنه حبات الرمل بسأم، وسحب كرسياًصغيراً من القماش كان يرتكي عليه ، ولما طال وقوفه قال لها بطريقة ميته:
– ألاتفكرين بالنهوض؟أمالتت برأسها موافقة ، ثم هزته بتسليم ، ووقفت . لم يتكلما . سارا ببطء ، لكن في لحظة (لا أدري لم حصل ذلك)
التفتت . كانت تنظر اليّ تماما. أغرقتني نظرتها . شعرت بقلبي ينقبض لما رأيتها تسير مبتعدة.
لما اختفيا فيالزحام تلفت حولي ، ومن جديد رأيت الناس . كان الناس مثل علب معدنية محكمة الاغلاق: عيون مغمضة . ذقون مرتخية وملامسة للصدور ، ثم شفاه متهدلة، وصمت.
لما أصبحابعيدين ، مثل أشباح ، وهما يتسلقان السفح باتجاه الفندق ، أحسست بالوحدةوالألم.
في صالة الطعام جلست قريباً (الصدفة العمياء هي التي دفعتني الى تلكالزاوية) ظننت ان لزوجها عيوناً من الخلف تتابعني في هذه الرحلة الخطرة.تملكنيالخوف والاضطراب. كانت تجلس مقابلي تماماً، أما هو فقد جلس بمواجهتها ، وظهره نحوي، وجلس الولدان الغيران في ناحيتين متقابلتين.
وطوال فترة الغداء لم أجرؤ على أنأنظر اليها.
وهاهي النظرة الثانية ، وأنا أقف تحت الشرفة ، مبلولاً مثل كلب . مجنوناً بنظرة البحيرة التي خضت دمائي ، وجعلتني أفكر كثيرا ، ولم افطنللمطر!
تجرأت ، وأنا أقف في الشرفة ، أن أنظر اليها . كانت شجرة من اشجارالصالون تشكل حاجزا بيني وبين زوجها . أما تجاهها فكان المدى رحباً منتعشاً ، مماساعدني على أن أنهش من هذه اللذة دون توقف (الطبيعة كنز يفجر في الانسان قوى غيرمنظورة)
كنت أريد أن أكتشفها ، وتراءت لي أفكار كثيرة لاأجرؤ على أنأقولها.
قلت لكم ان في الأنسان شيئا ً غامضاً ، لا سبيل الى فهمه. وهذا ماحصلبالضبط.
بشكل ما تأكدت ان لها عالماً خاصا ً . وان عالمها ليس بعيداً عن عالمزوجها فحسب ، بل ومختلف عنه تماما ً. كان يبدو مرتاح الوجه ، ومليئاً بالصحة والرضا . كانت تبدو قلقة ، متعبة ، وفيها مقدار من الحزن يجعلك تقتنع به وتحبه . كانتملامحها رقيقة ، ناعمة ، وجسدها أقرب الى الصغر. لم تكن قصيرة ، لكن هناك نوعا منالنساء تشعر بأنوثته تفيض الى الخارج بقوة ، من جسد أقرب الى النحولوالشفافية.
عبر الزجاج ، المعتم قليلاً ، تكلمت عيناها . تكلمت بنداء صغير أقربالى همسة نائحة . وفجأة استولى عليّ الرعب . كانت الكلمات والافكار تتقاطع في رأسيمثل البروق : من أنت؟ أية رحلة خطرة تدفعنا اليها الرياح ؟ البياض الساكن في عينيكيفتش عن مرفأ : وأنا المتعب الملقى في هذا الركن البعيد عن العالم وهل أكون هذاالمرفأ؟ أريد يداً صغيرة ودافئة تسندني . أحس شيئاً في داخلي يتدمر بسرعةويفني.
صرخت دون صوت وأنا أنتفض مثل ديك مبلول : الزجاج بيننا يحصد خفقة القلبثم يعجنها كتلة نار ويدحرجها ، ثم يأتي المطر ليذيب لذة الحلم.
هززن رأسي قليلاً، تساقطت قطرات عجولة من المطر . شعرت بلذة . امتلأ قلبي بالحزن . قلت لها بعيني : اغفري لي . اتركيني . أنت مقدسة لدرجة لايمكن ان اقترب منك . هزت يد ولد مشاكسالشجرة . اضطربت لما رأيت وجه زوجها . التفت للحظة صغيرة . قلت في نفسي: لو رآنيأتطلع اليها هكذا لاقتلع عيني . لوضع فأراً في ظهري ، تحت الثياب ، ودفعني بقوةلأسير ، لأركض ، في أودية الخنازير . قلت للنبته الخضراء التي عادت لتستقر : أيتهاالشجرة المباركة في كل الأوقات ، ارتفعي سدا بيني وبين الذين يريدون قتلي . كانتالنبتة الخضراء تنفرد مثل مرواح صغير بمساحة راحة اليد . وفي لحظات تبدو عملاقةكجبال عالية ،وفي لحظات أخرى سوداء قائمة كغابة السنديان ، لكن في كل اللحظات ، ومنالفجوات الضيقة كانت تشع قطرات مضيئة، كانت عيناها تشعان.

لم يعد ماينزل من الغيوم الثقيلة المطر . كان الفرح الملون . شعرت بالأصوات المتداخلة حولي وكأنها الأناشيد تأتي من مكان بعيد . وفي لحظات أخرىشعرت بالكون وكأنه يد أم.
وظللت أترك عينيّ تسافران .. لكن ما تكاد تعودانلتستقرا في عينيها حتى أحس أني أولد من جديد . كانت نظراتها عالماً طفلاً يركضبرعونة نحو الفرح والحزن معاً.
قلت لنفسي بتحد أخرق : سأقتل الكراهية والحقد . سأقتل الخيبة والكبت . أمّا التأملات البلهاء التي تسرقني من كل ما حولي فسوفأدفنها في اقرب مزبلة . وفي لحظة أخرى قلت بتصميم : أنا أحترق الآن ، احترق بلهفةشيء لم أكن أحس بمثله من قبل . ومرت تساؤلات عربيدة في رأسي: أين كنت أعيش؟ كيفيمكن للانسان أن يعيش دون أن يحس؟ هل يمكن لا مرأة أن تولّلد في القلب هذا المقداركله من الفرح والاغنيات المجوسية؟كانت الدماء والأفكار تنفجر في رأسي بسرعةمذهلة ، ولم أعد قادراً على الوقوف تجاة أية كلمة أو أية فكرة . قلت لنفسي بتسليم : كنت فيما مضى أقرأ مايقولونه عن هذا الشيء الذي يسمونه اللهفة ، فأضحك . كنت أتساءلهل يمكن للانسان أن يتحول الى بندول لا يتوقف ولا يهدأ؟ أن يتحرك دون معنى ؟ انيتلهف لامرأة؟ ان ينتظرها؟ أجبت نفسي :
انّني أقع الآن في ذلك الشيءالغامض.
آه ، يمكن أن تضحكوا . اضحكوا مثل بغال تفتح أفواهها حتى النهاية . لقدسقطت!
شعرت بقلبي يتموج في صدري مثل زورق . قلت : بداية الحماقة. سحبت عينيّ منجديد واطلقتهما في الغيوم والأشجار البعيدة ، لكن وجدت نفسي أضطرب ،ثم بعد لحظةسمعت شيئاً في داخلي يتمزّق وينوح.
تحركت قليلاً وقد شعرت بضرورة فعل شيء، لكنشعوراً آخر انتابني في نفس اللحظة : فجأة اصابتني برودة قاتلة. أحسست أني مدفون فيأعماق كثبان جليدية ، واني مسمّر وراء الزجاج ولا أستطيع الحركة . وباستسلام أبلهأردت أن أكذب. أن أخطىء. لكن عينيها وهما ترتميان عليّ كانتا تجرحانني . تجعلاننيأكثر احساساً بوقع خطاها وهي تسير في دمي. كنت أسحب عيني. أرميهما بعيداً، لكن دونان ادري أكتشفت نفسي وقد بدأت أتسلل في الفجوات الصغيرة ، بين أوراق النبتة الخضراء، أرتمي هناك . وأنظر، وأنظر ، وأنظر الى عينيها . آه ، ما أشد رعب العيون التيأراها. ما أشد فتنتها . كانت تقول لي بهمس : أيّها الغــريـــب الذي لا مــأوى له ،مأواك في عينيّ . كانت تقول لي هاتين العينين سأجعل لك أرجوحة ، وفي هذه الأرجوحةتقضي ما تبقى لك من العمر، ولن تندم.
الآن..بعد السنين الطويلة أريد أن أبكي . لماذا لم أهرب؟ لماذا تصورت أني لم أرها ، وأني رأيتها آلاف المرات ؟ كنت أحلم بهاطوال عمري . وكنت أراها مستحيلة . وفي لحظة مليئة بالعذوبة ، بدا لي كل شيء قريباً،ناعماً ، جارحاً ، وقررت البقاء0في وقت ما أنقطع المطر . هل مضى وقت طويل ؟قصير ؟ لا أدري . لما جرجرت نظراتي الى البعيد كانت الجبال الخضراء ماتزال تعصردموعها ، وتحولها الى جداول صغيرة تتفلّت بعناد صبياني نحو السفوح . وكانت الأوراقالخضراء بعد ان فردت نفسها مثل أجنحة طيور قوية ، قد تراخت وتهدّلت بعد المطر . والحصى ، كان الحصى يلمع كقطع الزجاج الملون . وأرتد الزجاج مازال بيننا شاهقاًقاسياً أبدياً. وعيناها حمامتان اغتسلتا بالأسى ، لكنهما تركضان وراء فرحما.
قلت لنفسي بحقد ودون صوت : يا حزن الأيام المشؤومة ، سوف أصرعك كذبابة ، لنأحزن بعد اليوم . أمّا الحيوان الصغير ، والمعصوب العينين ، والذي يسمونه الجبن ،فسوف أقتله.
الحيوان الصغير يفرك في دمي ، داخل العروق . كنت أندم على كل فعل . كنت أندم على كل فعل لم أفعله . أتحول فجأة الى طير . أطير بعيداً بعيداً. أطيروأرجع . والزجاج بمقدار ما كان يقيني من الجنون ، كان ينغل في صدري بجنون آخر . قلتفي نفسي بسخرية: مرة واحدة نولد ، ومرة واحدة نموت . وأنا ، أولد الآن ، أولد فيعينيها.
وتظل عيناها تضحكان . أحسّ الضحكات الصغيرة تفترش دمي ، توقده بالعذاب . تطفئة . ودون تعب أتساءل : ماهذا ؟ هل يمكن أت تكون اللهفة؟ وهل قرأت ذلك فيكتاب؟ولا أصدق شيئاً . تظل العينان تخترقني . وأصعد وأهبط ، ثم أنفجروأتلاشى0

لما توقف المطر وأمتلأ الجو بتلك الرائحة التي لا تعبّر عنهاأية كلمة في الكون ، انتفضت ، ثم وجدت نفسي أمشي دون ارادة. درت حول الفندق . توقفتعند شجرة الصنوبر الكبيرة كانت القطرات الأخيرة المتجمعة على أوراقها الابرية تنسكببنعومة حادة . رفعت وجهي لأتلقى حبات المطر ، وكدت أبكي.
في وقت ما سمعت لغطاًينمو حولي بسرعة . انتبهت فجأة ، وقرّرت بغموض شيئاً,
انزلقت الى صالة الفندقالواسعة ، ودون تردّد أندفعت الى الركن البعيد وجلست . كانت ثلاث أو أربع موائدبيننا ، أثنان يجلسان على المائدة المحاذية لها . كان أحدهما يحجب قسماً كبيراً منجسدها، أما رأسها ، أذا رفعته الى أعلى قليلاً ، فكان يظهر كجبل الثلج : ساطعاًمتورداً.
هل كانت تتابعني لما دخلت ؟ غيّرت جلستها وأصبحت بمواجهتي الآن ؟اجتاحني دبيب أصم ، وبعد ذلك شعرت بالرغبة في أن ألمس شيئاً مّرت عليه يداها، وفيالنهاية سيطرت عليّ حالة من التلاشي والحزن.
أختلطت أصوات موسيقى قديمة بالدخان، بأقداح فارغة ومتروكة . لم أعد قادراً أن أفعل شيئاً ، أمّا كأس الكونياك الذيوضعه الجرسون أمامي ، فكان نتيجة بلاهة ورغبة آلية ان لا أظل هكذا.
كنت أتألم . لا ، ان شيئاً آخر يموج في صدري ، ربما رغبة البكاء . اضحكوا لا يهمني.
كانزوجها يجلس الى جانبها ، أمّا الصغيران فكانا يلعبان حولهما .. كان الزوج صامتاً ،ينظر حواليه بتثاقل وسأم . قلت في نفسي : لماذا يرتمي هكذا ؟ ألا يقول لها كلمة؟ألا يتمطّى؟وبحقد مجنون أضفت: أيها الرجل الذي لا يقوى على السعادة، اشتمها ،أمسك يدها ، تطلع في عينيها.. اما ان تبقى مصلوباً كالجثة ، فهذا لايغافره أحد .
لا أعرف لماذا لم أحتمل . وجدت نفسي أغادر القاعة بعصبية . عند الباب الدوّاراصطدمت برجل . امتلأت خجلاً. تصورت البلاهة التي تنزف من وجهي أكثر من أن يحتملهاأحد ، وتصورت عيونها خيوطاً حريرية تشّدني . هربت من نظراتها . لما رفعت وجهيلأعتذر ، كانت تضحك تلك الضحكة الصغيرة التي تشبه المغفرة.
اضحكوا . تقولونمراهقة؟ ربما.
كنت في الثلاثين . كنت في المائة . كنت كبيراً ، وكنت صغيراً ،وكانت لي علاقات.
منذ ثلاث سنين أنا وميرا لا نفترق . تخاصمنا كثيراً ، ولكنرضينا بعدد المرات التي تخاصمنا . غفرت لميرا الكثير ، لكنها غفرت لي أكثر . وميراالتي أحدثكم عنها شقراء ، طويلة ، لها عينان بلون الكستناء . أمّا جسمها فكانساحراً لدرجة ان أي انسان رأها تسير معي حسدني ، وربما شتمها في سره ، لكن ميرا لمتعبأ بشيء . كانت عالماً غريباً ، وكنت أحبها لغرابتها . كانت تحب الرياضة والشعر ،ولم تكن تتحدث الاّ عن ذلك . وقد لامتني مرات كثيرة لأّني أهمل نفسي هكذا ، وتنبأتأني سأموت قبل الأربعين ، ولما مرضت ذات مرة ، خشيت عليّ كثيراً وظلّت تبكي فوقرأسي ، حتى داخلني الشك ان موتي أصبح وشيكاً، لكن لما شفيت وتبين ان ماكنت اشكو منهمجرد عارض يصيب معظم الناس ، لم تسلم ، وظلت تلومني ، ولا تتوقف عن توجيه الكلماتالقاسية ، مشيرة الى الصفرة في عيني والى بروز عضلات الرقبة وأكّدت اني “مصاببالغدد والطبيب لا يدرك ذلك” أمّا عندما قرّرت السفر الى الجبل للراحة ، فلم أر فيعينيها ضجراً او احتجاجاً ، ولا أخطيء اذا قلت انها فرحت لهذا القرار الذي “سيكونله تأثير مفيد على صحّتي ، خاصة اذا مارست الرياضة ، أية رياضة ، وكنت بعيداً عن جوالمدينة الخانق ، الذي يسبّب السرطان بكل تأكيد”
لم تكتف ميرا بذلك ، حضّرت ليأنواعاً من الأغذية ((المفيدة والضرورية)). وفي طريقنا الى محطة القطار أصّرت أنتشتري لي بطيخة خضراء كبيرة ، قالت : وهي تشير اليها : قلبي كبير هكذا ، وقد تعبتكثيراً بنقل هذه البطيخة من قطار لآخر ، ثم بنقلها الى الباص ، لا تستغربوا اذا قلتلكم ان البطيخة اللعينة انزلقت من بين يدي وانفلقت عند باب الفندق تماماً وسبّبت لياحراجاً ، ورأيت ضحكاً مكتوماً في عيون الذين كانوا حولي .
كنت خارجاً لتوي منالمرض . وفكرة السفر الى الجبل عنت لي هكذا ، أمّا ميرا فقد أصّرت ان “النقاهةضرورية ، أنهّا من العلاج” واستغربت كثيراً أن الطبيب لم يشر عليّ بذلك.
لم أكنأعرف ميرا وحدها . كنت في نفس الوقت على علاقة مع باولا . وباولا امرأة من نوع آخر : بسيطة ، صريحة ، تكره الموسيقى الحزينةوتكره الفلسفة (باولا تدرسالفلسفة).
تدخن بشراهة ، ويظهر ذلك بوضوح من أعقاب السجائر الملوثة بالروج فيجميع أنحاء الغرفة والحمام . كانت باولا تهوى الشرب لدرجة السكر ثم البكاء ، وكنادائماً نقضي وقتاً شديد الروعة والجمال والحزن.
وقبل ميرا وقبل باولا ، باولاذات الصدر الكبير والأثداء الصلبة ، والتي لايمكن ان انسى رائحتها اللذيذة . قبلهاتين المرأتين ، وبعدهما عرفت نساء . لكن في ذلك الصيف الملعون تحوّلت الى أنسانآخر . ولو ان احد رآني أقف تحت الشرفة وأرقب ، من وراء الزجاج ، العالم السحري الذيتدفق عليّ فجأة ، لو ان أحداً رآني ، وقد تهدلت عضلاتي وتحولت الى بندول ، لقال انجنوناً من نوع ما يسيطر عليّ.
مراهق ؟ نعم . أتحداكم ان تقولوا أني لم أكن كذلك . واذا أردتم ان تقولوا شيئاً آخر عن الحرمان فسوف اخطئون كثيراً. لم أكن أتنقل بينالنساء كفراشة ، لكن لم أكن محروماً. كنت أمسك الفخذ ، بثقله الزاهي ، بين يديوأعزه لتمتللىء روحي بنشوة الامتلاك والظفر , وكانت يداي تتسللان ، مثل أفعى ، الىالصدر ، ، وهناك أترك اليدين تحومان فوق النهدين ، وراء الظهر ، أتركهما تهطبطانالى الارداف وأصرخ في داخلي بصوت يشبه فحيح الحية :
أشبع ، يجب أن تشبع حتىالتخمة.
ولكن اذا وجدت بينكم حكيم أعور ، له لحية تشبه خيوط العنكبوت ، فسوفيقول: أن حالة مثل هذه تعود بأصولها الى أيام الطفولة ، أنه الحرمان ، الحرمان منعطف الأم . نعم ماتت أمي لما كنت صغيراً، ولكن هذا الحكيم الذي يفتح فمه كضفدعةليغرق الناس بكلمات كبيرة وغامضة يفتقر الى شيء أساسي يكون جوهر الانسان والعلاقةالجنسية ، يفتقر الى الحب.
الحنان . ان أفقد أمي ولم يتجاوز عمري السادسة . أنأهيم في الدنيا لاأعرف لماذا والى متى، وأعيش على كل شيء ماض ، حتى لو كان مجرد زمنأعمى ، وفي حالات معينة مجرد أحلام.

يمكن لأي تحليل ان يسرف في دراسة حالتي ، بحيث ينتهي الى أشياءكثيرة ، لكن الأمر الأكيد ان وجدت نفسي فيه لا يجد مأوى في الكلمات القاتمةوالبلهاء التي تموج في رؤوسكم الآنكنت وأنا أخرج من قاعة الفندق قد قرّرت انأذهب لرادميلا “وأنت يا رادميلا لماذا كنت في تلك اللحظة تعطين شفتيك لأيفان؟لماذا؟ قولي بحق السماء ، قولي كلمة لأستريح “.
لو ان شيئاً آخر حصل لكنت الآنبنظركم انساناً سوياً ، لكن اسمعوا ماحدث :
في الليلة السابقة تخاصمنا ، دونكلمات ودون أن نستعمل الأيدي أو الأدوات الجارحة . تخاصمت وايفان عدداً من المراتيوازي عدد الرقصات . كنا أربعة رجال وثلاث نساء ، نجلس في وسط قاعة الرقص ، وكانعلى واحد منا أن يتحمل ، أن يدفع ثمناً ما . لا أعرف لماذا اختارتني رادميلا مراتكثيرة لمراقصتها . قبل انتهاء الرقص اتفقنا . وعندما سمعنا فالس فينا كنا نلهث فيالفراش . أمّا الصباح التالي فقد كنت حزيناً لدرجة منفرة . وعند الظهر كنت أفكّربالناموس الطبيعي وأصل الحياة ، أمّا الكلمات التي أجبت بها رادميلا فأعترف انهاكانت بائسة ومهينة ، وغادرتني رادميلا بعصبية بعد الغداء ، وقرّرت أن تنتقم منّيبسرعة .
كنت أعرف رادميلا منذ وقت طويل . وقد بانت الشهوة في عيني منذ انالتقينا في قاعة الفندق . هّزت رأسها كفرس وقالت:
“ابتعد من طريقي، ولا أريدمتاعب من أي نوع ” لكن الضحكة التي انفجرت وراء هذه الكلمات ، كانت مسعورة لدرجة لمأحتملها ، أمسكت يدها عند الزند ، وضغطت . تركتني أفعل ذلك لأتمتع ولأختبر اللحمالمشبع الهني . ثم قرصت يدي بدلال وقالت : ” مازال لدينا وقت طويل، هنا وفيالمدينة”.
لما تركتني رادميلا شعرت بالراحة..
وفي اليوم التالي ، لما ارتمتعلى الرمل الناعم ، على ضفاف البحيرة ، أصابتني حالة اللاجدوى والحزن . أمّاالرغبات التي كانت تنتابني وأنا أنظر الى أعماق البحيرة فكانت غامضةومتداخلة.
وفي تلك الحالة من اللاجدوى والغموض الشديد .التبدّد واجهت تلك النظرة، وبدأت حياتي تتفتّت ثم تتدمّر ، وأصبحت ملعوناً.
لو ان رادميلا ، في ذلكالغروب ، بعد المطر ، أعطتني نفسها لأنقذتني . لكن رادميلا لم تنتظر . هربت بسرعة . وشفاه ايفان وهي تطبق على عنقها تحت شجرة الصنوبر ، قرب الباب الخلفي للمطعم ،جعلتني أركض نحو البحيرة .
كانت البحيرة بعد المطر معتكرة ـ وكانت السيولالصغيرة المتأخرة لا تزال تتدفق اليها بكسل . أمّا الزورق الذي أمسكته ، كتعزيةرخيصة ، فقد انزلق بين يدي ، كأنه يهرب . وعندما جلست على أحد الحجارة ، قربالقنظرة ، ناحية الشمال ، شعرت من جديد بالحزن يغطيني كأنه الثيابالثقيلة،والتمعتفي ذاكرتي عيناها . كانت عيناها مثل فوهات الجحيم المتورد ، لايمكن ان تنسى. قلت لنفسي بصوت لا أكاد اسمعه : ” أيّها ارب الذي يرتكز على يد واحدة، وينظر الى البشر التعساء ، لماذا تركت كل شيء يسير في الدرب الخطرة؟” وتصورتالرب… أخرى تصورته… وأردته أن … لكنه لم..
وأنتم ، أية كلمات تندلق الآنمن الذاكرة الى الشفاه المرتخية ، وتريدون أن تقذفوها في وجهي؟نحن نزلاء الفندقسجناء صالة الرقص والمطعم في أغلب الليالي . فاذا خرج القمر من مغارته المتربة ،وتدحرج ككرة خضراء في المدى الرحب الذي يسمونه السماء ، اذا حصل ذلك ، وكان الدفءينتشر في ذرات الهواء وينعشها ، يصيب عروق الرجال والنساء سعار أصفر بلون الصديد ،وكان أغلب النزلاء يخرجون الى الطرقات الضيقة في الحديقة الكبيرة للفندق ، والتيتصل أطراف الوادي ، وهناك كانوا يشبكون أيديهم بقسوة ، ويقبلون بعضهم بشهوة الكلاب، حتى تحركت الدماء ، قذفوا في سراويلهم أو ركضوا مثل قطط مذعورة الىالفراش.
سجناء الفندق كثيرون ، في الصالات ، تحت الأشجار ، وفي الليل يتوارون فيضوء القمر في الزوايا أو في الغرف المزهوة بصور بحيرات ملوثة الألوان وحولها رجالونساء يضحكون ، ولا يعرفون معنى الألم.
لو لم يسقط المطر في اليوم التالي لدمرتذلك الحيوان الصغير الذي رفع رأسه فجأة . لكنت حصلت على رادميلا مرة أخرى، نعم انأحصل عليها مرة أخرى وبطريقة ما ، ان أنتزعها من أيفان . وفي أحضانها يمكن ان أنسىهذا الشهيق المتسرب الى دمائي . يمكن أن أغمض عينيّ فلا أرى تلك العينين المخضبتينبالنداء واللهفة والحزن ، هذا الشيء الغامض الذي لا أعرف اسمه ، والذي ربما كانالحب . في أحضان رادميلا ، مثل أول مرة ، يمكن ان أنسى . وقبل أن أستيقظ حزيناًونادماً ، ينتهي الأمر ، تنطفىء العيون وتتلاشى من رأسي . لكن شهوة النسيان التيتمنيتها أصبحت مثل ذاكرة ..: واسعة ، هاربة ودائماً يغادرها الألم.
والآن ، نعمالآن . وبعد مرور السنين ، اذا سقط المطر يتملكني حنين لا يوصف لأن أبكي . أحسبالدنيا صغيرة ، محاصرة ، وتوشك ان تنتهي .
وهناك لم يكن مطر الصيف فقط ، كانمطراً كثيفاً متواصلاً ينبش من الذاكرة الأحوان والذكريات . وأنتم تعرفون أنالأحزان الملعونة لا تريد جوقة من المهرجين لكي تنتزع نفسها من أكفانها ، أنهاتنتظر ، وفي لحظة تقف شامخة مزدرية ، كأنها تترصد لتفجر.
مطر الصيف اللعين جمعالسجناء مرة أخرى. جمعهم أوّل الأمر في صالة الطعام ، ثم في المقهى ، وفي المقهىضجّ الصغار ، وقفوا وجباههم على الزجاج يتطلعون بحقد الى المطر ، وقفوا عند الأبواببانتظار لحظة الهروب الى مكان ما . أمّا الرجال فقد أستخرجوا من محافظ جلدية (سوداءأغلب الأحيان)
جرائد مضت عليها أيام ، وبدأوا ينظرون الى الحروف بملل ، وبينفترة وأخرى ينظرون الى المطر ، وعندما يتعبون يلعبون الورق . وقبل أن ينتصف النهارتدور كؤوس البيرة بسرعة أكبر ، أمّا النساء فقد تشاغلن بأمور كثيرة : ملاحقةالأطفال ، الذهاب الى الغرف وتبديل الثياب ، ثم الجلوس بصمت والمراقبة النشيطة لكلشيء!
ومعبودتي .
كانت هناك : بنطال أسود ضيق وكنزة رمادية ، ولا أدري لماذاوضعت شالاً على كتفيها!
ألقت معبودتي مجلة مصورة على الطاولة ، وجانت نظراتهاالصالة ، تفتش .. هل كانت تفتش عنّي ؟ أتوهم ؟ أحلم ؟ أي شيء آخر يمكن أنتقولوا؟كان المطر يتساقط عزيراً مشبعاً. وبين يدي كتاب لا أستطيع أن أطويه ،ولاأستطيع ان أقرأ فيه سطراً واحداً. رادميلا؟كانت هناك تجلس متكورة الى جانب أيفان ،وقد تقاربا لدرجة الألتصاق . كان يتهامسان كعاشقين . لم ينظرا نحوي ، وحتى التحيةألقيتها عليهما أثناء الافطار سبّبت لهما ازعاجاً، أيفان بشكل خاص .
فكرّت انألعب الشطرنج لأغتال الضجر ، لكن رقع اللعب الثلاث كانت محجوزة ، وكان التى الواسعالفم يصرع الرجال ، وهو يدور حولهم كقط . أما عندما جلست قريباً ارقب اللاعبين ،فقد استولا علي الخوف. جلست مستسلماً ، وهزمت بعد المرات التي امتلأت القاعة بضحكةذلك الفتى الواسع الفم ، والذي يدور كقط ، عندما ينتهي من اولئك المسنينالواثقين.
وفجأة وأنا أستدير ، بعد لعبة ماكرة ، حاول الفتى الواسع الفم فينهايتها ان يتظاهر بالهزيمة ، لكنه ، في النقلة الأخيرة ، أنتصر ، وجلجت ضحكتهالواثقة ، وأنا أستدير لأغير جلستي ، رأيتها . كانت قريبة لدرجة مذهلة . شعرت انيأختنق صرخت في أعماقي وأنا أتلوى من الألم : ” يا أم الأرض الخصبة ، يالهباً يشعلالحجر ، اذهبي ، لا أحتمل أن اراك قريبة هكذا لا أستحق”. وبخوف حزين سحبت نفسي منالرعب.

تنفست بجموح ، وقرّرت لأن أتطلع الى عينيها. شعرت بعناق مجنون يزدحم في دمي ، يدفعهويوقفه ثم بعد لحظة شعرت بذلك الدفء الناعم يغطيني . أغمضت عيني . شممت رائحتهاتملأني . كانت كخيمة خضراء فوقي ، ولما بدأت أتذكّر متى جاءت ، أحسست ان المدى حولي، في لحظة معينة ، بدأ يزداد اتساعاً وبياضاً، حتى غطّى الأرض كلها ، ثم أحسست بشيءأقرب الى الدفء يتساقط ليصبح حاداً ومسيطراً كالألم وتأكدت انها جاءت في تلكاللحظة.
لما حركت كرسي قليلاً لأعتذر ، لأفسح لها، مسّت قدمها قدمي . سحبت قدمي. نظرت اليّ وعبرت وجهها ابتسامة صغيرة شاحبة ، ثم استدارت بعبقرية ومشت.
الآنأراها، أراها قريبة كجفن العين . كانت هالة من الضياء ، من الفرح . ما أشد بؤسالكلمات . ليتني أصاب بالخرس الكلي وأختنق ، وليت أن رادميلا ظلّت وفيّة لي بضعةأيام أخرى . لو أن الحزن لم يهزمني ذلك الصباح ، لظّلت رادميلا معي. كنت الآنبنظركم ظافراً ، لكن ، وايفان ثعلب ، لا يكّل ولا يتعب، أذ ما كاد يراها تخرج منحزني ، حتى حاصرها، واستسلمت له بسرعة لتقتلني ، ثم هربا معاً. عندما هربت رادميلارأيت بعيني هوة ساحقة تمتصني ، لم أستطع ان أقاوم، ثم أصابني الهلع.
أمّا تلكالأبتسامة الصغيرة الحزينة التي ارتمت عليّ ، فقد جعلت الأرض تغور ، آه ما أشد عذابتلك الأبتسامة . كانت متشجنة ومذعورة . وأنا ، سموا أفكاري أي شيء ، لأن الأرض لمتحمل على ظهرها من هو أجبن مني . كنت في تلك اللحظة أرنباً مقوس الظهر وملعوناً. كنت أخاف من ظلال الأشجار، من صوت الريح . وأنتم أيّها الناس ، يجب ان تجلدوني مئاتالجلدات . لا تكونوا رحماء معي ، وأنا لا أستحق الرحمة أبداً، أبصقوا عليّ ، لو أنكلمة قلتها ، لوان مسّة قدم أخرى ، أبنسامة شجاعة، آه اتركوني ، لقد تعذبت أكثر مماأطيق ، والآن ، وبعد مرور السنين ، اذا سقط المطر ، اذا لم يسقط المطر ،أتعذّب.
نقر على كتفها ، أرتجفت ، تلفتت بذعر . كان وجهه جافاً ، وشعيرات حمراء، من اثر نزيف داخلي لاينتهي يغطّي وجنتيه، لم تكن تحمل رغبة او علامة تعبّر عن شيءما . صلابة واثقة، ورضى ، ثم أوامر مختصرة.
مشت الى جانبه بهدوء قطة. احتوانيكون أخضر . كنت أرشح جبناً . نحوّلت الى حيوان مذعور محاصر ولا يقوى ان ينظر فيالعيون خوف ان يصعق . كنت ألهث وأنا أحاول التنفس ، اما الأصوات ، غير المسموعة ،التي ماجت داخلي ، فكانت ترتطم بجدار صدري ، ويصبح لها دوي هائل موجع . قلت لنفسيبعد ان غابت : “آه لو استعطت ان أرد عليها بابتسامة واحدة”
تصوروا ، كنت أتظاهربمتابعة اللاعبين ، لم أرّ شيئاً. أما وهي تبعد فتملكني جرأة مذهلة ، بدأت أنظراليها، أتابعها كانت تسير في الوسط ، زوجها ناحية اليمين ، والولدان ناحية اليسار ،كانت قدمها الصغيرة ، وهي تنتقل تدوس على قلبي في كل خطوة ، كانت خطوتها تزحف فيدمي ، تركض . شعرت بالنقمة والحزن. صرخت من العذاب : “أيّها الرب الكي القدرة اريدقليلاً من الهواء لكي لا أختنق”. ومع كل نقلة قدم ، في الساحة الفارعة ، أحس دمائيتنفر كأن ضغط القدم يجز رقبتي وعيني. وأتذكر رادميلا ، وأتذكر ايفان . وأخاطبهمابصوت مبحوح : لم أنسى لكما هذه الأساءة.
لو أن رادميلا لمست مدى العذاب الذييركض في صدري لغفرت لي حزني . لكنها قالت لي بتعالٍ وهي تتركني :
-احمل معكالتوراة مرة أخرى ، وأقرأ على قبور القرية المجاورة.
” أكره الحزن يارادميلا . لا أحبه أبداً . وهل تتصورين رجلا على ظهر الأرض كلها يحب ان يكون حزينا”؟ كدت اقوللها هذه الكلمات التي عبرت رأسي ، لكني لم أفعل . ظللت صامتاً.
نظرت رادميلااليّ وهزت راسها لما رأتني صامتاً، ثم قالت:
– عشرة أيام في الجبل ، الى جانبالبحيرة ، وبعدها نعود الى الدراسة والعمل. يجب ان ننسى . وأنت ، لماذا لا تريد أنتنسى؟لم أقل لها شيئاً ابداً. وأنتم لا تستطيعون ان تقولوا اي شيء. أضحكوابسخرية ، ولكن دون ان ارى . واذا علت قهقماتكم فسوف أشتم مثل ابليس ن سوف اقول لكم : أيّها الخنازير ، يا مّن تفتقرون الى القلوب . يامن بالت عليكم أمهاتكم لكي تشفىالدمامل المنتشرى فوق صدوركم ووجوهكم ، لن أقول هذا فقط، سوف أقول أكثر : أنتم ، ياأربطة العنق ، سوف أشنقكم بهذه الأربطة ذات يوم. لن أكون رحيماً. الرحمة لا تعرفطريقها الى قلبي. ومن تريدون ان ارحم؟ الصدور المجوفة ؟ الصدور المليئة بالقيح،أنتم؟ لا تخافوا ، سوف أتصرف كوحش.
وأنت يارادميلا ، آه لو ان تلك الليلة لمتنته. لو كانت لي قدرة ثور او رغبة كلب ، لكنت الآن تلبدين الى جانبي مثل قطةمقطوعة الذيل. كانت تلك الليلة قصيرة ، فاجعة الحزن . وكنت ثوراً هرماً مهزوماً. تعبت بسرعة . ارتميت . وفي الصباح أصابني الحزن والندم . ولم تحتملني ـ تركتنيرادميلا ، والآن ، وأنا أرى الباب يبتلع قدسيتي ولا أعود اراها، أضع اصبعي في عينيواضغط . لم أكن أريد ان أرى شيئاً. لم تعد موجودة ، ذهبت .
أين ذهبت؟ هل تخلعملابسها الآن؟ هل تقف أمام المرآة لكي تختار ملابس جديدة ؟ وهو هل يقوى ان يحّولنظره عنها لحظة واحدة؟ كيف يستطيع ان يترك ثانية تمر دون ان يزحف تحت عطرها ، دونأن يمرغ وجهه عند قدميها؟وأنت أيها -“أستغفرالله”، يامن أوكلت الآباء المقدّسينتلقي الاعترافات ، كان أولى بك ان تفعل شيئاً آخر.. شيئاً أفضل. ان تأمر هولاءالذين لا يكفون لحظة، حتى أثناء القداديس ، عن الخطيئة ، أن تأمرهم بالصمت المطلق ،وأن تقف لحظات خشوع لكي تتجلى قدرتك أكثر ، أن تقول لرادميلا : ” شيء من الحزن غذاءالقلب”. أو أن تقول للشعيرات المنتشرة على الوجه الصلب الراضي : ” أترك هذه الفراشة، الموجعة القلب ، أتركها تلوّن الحياة بموسيقى الفرح”. لكنك أيها الرب ، لم تعطنيقلباً شجاعاً. لماذا لم تقبل لقلبي أن يكون باسلاً مرة واحدة فقط؟هل كانت فيغرفتها تبكي ؟ تفّكر ؟ لماذا تبدو حزينة هكذا؟قلت لها بيأس : “لماذا الحزنأيتها القدسية المتوجة في قلبي الى الأبد؟”0

شعرت بلفحة الكآبة تخنقني لما رأيتها هكذا حزينة ، وتمطت كآبة سودا في قلبي لماتصوّرت ان الانسان يمكن ان يحزن هكذا!
في وقت ما، (لا أدري أي وقت ، لأن اموراُكثيرة عبرت رأسي دون روية) جاءت الى الصالة وحدها . كنا وحيدين في الصالة . تصورا ،كنا وحيدين . شعرت بالخوف . بدأت أرتجف . انقذفت الى ذاكرتي كلمات قرأتها ذات يومعلى قبر . نظرت اليها . كانت حزينة بشموخ ، قالت لي عيناها وهما تنسكان عليّ : ماذاتريد؟ نعم قالت ذلك عيناها . قالته بطريقة آسرة ومدمرة أصابني الخوف أكثر من قبل . تكّومت . أستندت الى الكرسي لكي لا أتمزق . سقط كرسي آخر من الحركة البلهاء تموجتفي داخلي . كان لسقوطه دوي يخض الدم ، لكن ابتسامتها التي حاولت أن تلملمها بثنيرأسها ، جعلت كل شيء متفجراً.
جلست . أخذت مكاناً بعيداً وجلست . نظرت اليهابارتباك . هزّت رأسها وكأّنها تصمّم على شيء أو تغني . كنت أريد أن أجمعها بطريقةما لأضمها في عيني . كانت تنظر عبر الجاج وتفكّر . أخرجت سجارة من حقيبتها ، شمّترائحة التبغ بتلذذ . آه ، لو أن الشمس تحّولت في يدي الى جمرة . لو ان ذلك حصل مرةواحدة لأوقدت لها السجارة واحترقت . كنت أريد ان أفنى .
أن اذوب . لماذا لماقترب ؟ لماذا تركتها تشعل السجارة والقداحة الذليلة تنام في جيبي كأّنها حثة حمامة؟ تطلعت اليّ أكثر من مرة قبل أن تشعلها . بدا لي انها لا تجد كبريتاً ، كنت أعمى . كنت جباناً . وأنتم أيهّا الآباء المقدّسون ، هل تحاسبون رجلاً جباناً ، ولا يحملفي قلبة رغبة شريرة ، ويريد ان يشعل سيجارة امرأة حزينة ولا يستطيع ؟ يجب ان تقولواشيئاً . ان الاعترافات التي ارتمت في ذاكرتكم لا تستطيع ان تهز شعرة في عرشالرب.
بدا لي كل شيء دون معنى .
فجأة نهضت . لم استطع أن انظر اليها. أحسستبنظراتها تحاصرني ، تلاحقني . لكن برعونة يائسة تصلّبت عضلاتي . أصبحت لا أنطر الاّالى أمام .. وفي لحظة لم أعد أرى شيئاً.
وفي المرحاض ، الذي ذهبت اليه دون أنأدري ، لم أفعل فيه شيئاً ، سوى اني قذفت القداحة بازدراء ، وخرجت.
كان مطرالصيف ، لكنه هذه المرة فقد قسوته وكثافته وبدا مزدهراً عابثاً وأقرب الىالرذاذ.
ابتعدت كثيراً عن الفندق . استندت الى شجرة وبكيت . لأول مرة أجد نفسيبعد سنوات طويلة أبكي . قولوا أقسى الكلمات . أبشعها . قلبي الذي بكى . كان قلبيكطفل يبكي دون أن يدري ، ولا يعرف لماذا؟ وأنتم ، الكبار ، المسنّون ، الوقورون ،المزهوون ، تسخرون من قلبي الذي بكى ؟ لا يهمني ، سوف انتقم منكم ذات يوم.
وفيوقت ما ( لا أدري أي وقت ، ان ذلك شيء غريب للغاية) مرّ ثلاثة فلاحين . قلت لأحدهم، وكان يضع غليوناً في فمه:
– لديّ تبغ . تبغ جيد ، وأريد نبيذاً جيداً بدلالتبغ.
– كانت طريقتي في الكلام لذيذة ، أو هذا ما بدا لهم .
ضحكوا . نظروااليّ بحب. قال لي واحد منهم:
– امش معنا وخذ زجاجة كبيرة من النبيذ ، ولا نريدالتبغ .
– التبغ أو لا أريد شيئاً.
هزوا رؤوسهم بصمت ومشينا معاً . كنا أغلبالوقت صامتين . لكن قبل أن نصل القرية ، انفجر واحد منهم بضحكة عالية، دون سبب . نظر الآخران اليه باستغراب ، ثم شاركاه الضحك . قال الذي ضحك أولاً وهو يغرق منالضحك اكثر من قبل:
– رأيت مرة رجلاً أسود قرب السوق . كان حزيناً أكثر مماينبغي ، طلب الي أن أعطيه نبيداً مقابل حذائه ، رفضت . رجا نبيذاً مقابل شيء أهم منذلك بكثير.
وبلهفة سأله أحد الرجلين :
– ماذا أخذت منه؟
– قال:
– فيالليل أخذت أفكاره ، كان يفكّر بالانتحار من اجل امرأة ، لكن في الليل بعد ان شربناوغنينا وضحكنا كثيراً ، بدا الرجل يبكي ويشتم نفسه ، وفي الصباح لم يفكر بشيء سوىأن يهرب منا !
عندما سمعت القصة توقفت ، وتوقف الرجال . نظروا اليّ بأستغراب . قلت :
– لا أريد شيئاً!
ولما ابتعدت قلت كلمات أضنهم لم يسمعوها .قلت لهم :
” انتم رجال ماتت قلوبهم ، ولا تعرفون معنى الحب “
ركض ورائي احد الرجالالثلاثة ، قال والمسافة بيننا لا تزال خطوات كثيرة :
– تعال يابني ، عندنا كلماتريد ، النبيذ والحب.
توقفت حتى وصل ، نظرت في وجهه . بدا حزيناَ . قلت :
– كنت أمزح ، لا أريد شيئاً!
– لم يفهم أوّل المر ، ظلّ ينظر اليّ ، لكن لا يراني . تأكدت ان هماً في قلبه يعذبه . استخرجت سيجارة ، وأولعتها ، ثم قدمتها اليه . تناولها بصمت وهزّ رأسه . قلت وأنا استعد للرحيل :
– الأفضل أن أعود ، والأفضلأن تعود أنت.
هزّ رأسه بأسى ، ورفع يديه بتحية صغيرة وأسف.
قلت لنفسي وأنااتجه الى الفندق : ايّها الآباء المقدسون ، تعالوا واسمعوا اعترافات رجل حزين . الأرض مليئة بالرجال الحزانى . وحتى الآن لم تسمعوا سوى اعترافات المخطئين ، اماالذين يموتون كل لحظة ، فأنتم لا تعرفونهم ، حتى الذي في السماء، يسند على يد ويعبثباليد الأخرى ، لا يعرف الآلالم التي يعاني منها الحزانى ، واذا كان يعرف فلماذاخلق هذا المقدار كله من الحزن! “أستغفر الله”.
لما وصلت وصلت قريباً من الفندقنظرت الى الخلف . لم أر الرجال . كانت أضواء القرية تبدو باهته متعبة ، كأنها تسحبنفسها من أعماق مغارة الكراهية!
حتى التاسعة نمت . في السهرة لم أجد مكاناً فيالصالة الاّ بصعوبة . كان الغرباء قد اتوا ، أماّ هي فلم أرها. هل أتت ؟ هل ذهبتمبكرة؟ ألا تزال حزينة ؟ وهل يحتمل أن تكون قد آوت الى فراشها جائعة ؟ وهو.. أين هو؟

كان الغرباء ، وكانت رادميلا وأيفان . شربت كثيراً تلك الليلة . وقلت لفتاة ارادت ان تراقصني عندما حان دور النساء في طلب الرقص:
– قلبي يطفحبالحزن . قد أرقص ، لكن لو أن راقصاً آخر كان بدلاً عنّي لقضيت ليلة هانئة.
نظرتٌإليّ ياحتقار ولم تجب . لم أكن أنا الذي نطقت بهذا القول المأثور ، فكؤوس الكونياكملأت رأسي بشجاعة نادرة‍!
طوال صباح اليوم التالي لم تظهر. رأيته ورأيت الأولاد. أما هي فلم تظهر . هل كانت تنام؟ هل أنتحرت؟ وعيناها، القنديلان اللذان يربض فيهماعبث الاله ، قوته وجبروته، وجوده ونفيه، أين هما؟ قلت لنفسي بنزق : أيتها العيونالتي انفجرت في ظلمة الحياة التي أعيش فيها . سوف أعبدك . انا مجوسي أكثر من مجوسالأرض كلهم.
وأنا أغرق في أفكار متشائمة، تذكّرت قصص العشاق الصغار الذينانتحروا ، الذين شربوا السم، الذين علقوا أنفسهم بحبال على أشجار الزيتون ، وماتوا . الكتب القديمة تحكي عنهم ، تحكي عنهم بأسى . أنا ، لا أريد ان انتحر. لا أجرؤ علىالتفكير بهذه الجسارة . هل أصبحت كبيراً؟ وقلت لكم ولا أزال مراهقاً، والكبار ؟ كيفانتهى الكبار المسنّون؟ الشعرات البيضاء تتوغل في رؤوسهم ، الغصون تربض بهناءة حولالفم والعينين ، كانوا كباراً، ولكنهم أحبوا ، هل انتحروا؟ هل قرأت هذا في كتاب؟سمعته؟ توهمته؟ ليس من حقكم ان تستجوبوني . ما أقوله لكم حق ، وعليكم أن تصدّقوا !
زانا ، الدبيب الزاحف عليّ، والذي يلعق قلبي بنعومة موجعة ، ماذا أسميه؟اللهفة؟ الحب ؟ لنترك كلمة الحب ، انها خطيرة لدرجة لا احتملها ، انها شديدة القسوة، قد اخطىء في استعمالها ، وربما تحوّلت على لساني الى انشودة لا يجدر ان اتركهاطليقة هكذا . ان ما أحسّه أقرب الى رغبة البكاء .
حكيمكم الأعور يصرخ الآن : قلتلكم ما يحتاجه هذا الرجل الحنان!
وأنا أصرخ في وجه هذا الحكيم ، أصرخ بجسارةترعبه ، حتى يبول في ثيابه: الانسان المنسي في هذا الجبل ، مطر الصيف ، الوحدة ،الشوق الجارج لانسان ، لامرأة ، لا ، لا أكذب عليكم ، أكذب ، ولكن بمقدار حبةالدواء الصغيرة . كنت في ذلك المنفى الجبلي اشتاق لعناق رحيم ، ليد صغيرة دافئةتقبض على يدي . كنت أريد عينين أذوب فيهماا حتى أتلاشي ، وكانت هي .
لو قلت لكمان أفكاري نظيفة مثل أوراق اشجار الصنوبر المغسولة بمطر الصيف ، لكذبت . لكن لم أكنأفكّر بالمضاجعة . لم أفكّر ان تتحول هذه المرأة بين يدي إلى راداميلا ، كنت أريدأن ألمس يديها . ان أَقبّلها . أن أضع رأسي على حضنها وأغفو .اذا فكّرت أكثر من ذلكأقطعوار رأسي واعهطوه للكلاب ، وأنتم أيهّا الشديدو التزمت ، ماذا تستطيعون أنتقولوا عن الأفكار الصغيرة التي تحركت في رأسي؟ الخطيئة ؟ ولكن أين هي الخطيئة؟ حتىاللحظة لا أشتهيها . ووصية المسيح التي تستندون إليها لا يمكن أن تجعلوها مقصلةلتنتزع رأسي بكل هذه البساطة . لم اشته أمرأة غيري ، كل ما أردته أن أغفوا في تلكالجنة لحظة واحدة ثم أموت‍!

رادميلا . شعر متطاير في عتمة المساء على كتف ايفان . شفتانغليظتان شهيتان . عندما كنت أقبلها لم تكن شفتاها مثيرتين كما رأيتهما فيما بعد وهيتقبل ايفان، ” أين ستهربين منّي يارادميلا!” المدينة تنظرنا وايام الشتاء الطويلة . وفي المدينة سوف اكتشف شفتيها مرة أخرى .”أرفعي رأسك يا رادميلا . أنظري إليّ . لاتتحركي ، أريد ان أرى الشفتين”.
لا اريدك ابداً يارادميلا ، هنا . لو كنت بعيدةلشعرت بالراحة، القطة الماكرة التي تنام بين ثيابك لا تكف لحظة عن الخرمشة . تبتعدالآن وايفان ، لكن إلى المقدار الذي يسمح لي ان اراها . على شاطىء البحيرة تدور ،حتى اذا رأت وجهي أبعدت وجهها بسرعة مثيرة وجلست . تعطيني ظهرها ، ولكن لا تكف عنالنظر ، ونحت الصنوبرة الكبيرة قرب التبغ تختار مقعداً بذاته لكي أرى “ايفان ، لاتصدّق أن قطتك ستفلت مني”. لكن شكراً لشيء ما ، لإيفان ، للشهوة للجبل والبحيرة ،شكراً لشيء ما هو الذي انتزع رادميلا منّي.
بقيت وحيداً. أحساس الانسان بالوحدةفي أماكن معينة ، في أوقات معينة ، أحساس بالغرق . يحس انه محاصر بالمياه من كلناحية ، وحجارة كبيرة في رجلية تشده ، تجره الى أسفل ، وفي الأعماق احساس بالغرقكثيف ، عام مليء بالوحدة . فإذا سقط المطر أصبح الشعور بالغرق شديد الطغيان واليأس .
صحت السماء في اليوم الثالث . جلست في الشرفة ، ذات الشرفة الملعونة التي كتبتشهادة نهايتي . الشمس مليئة بالدفء والروعة والبحيرة ساكنة مثل سمكة شديدة الصلابةوالثقل، والأشجار تولد مرة أخرى ، تولد : اكثر خضرة . أكثر طفولة.
كانت تضحك وهيتتقدّم . دفعت الباب بكتفها الأيسر ، والسيجارة في يدها ، وعلى رأسها قبعة قش كبيرة . كانت تنظر إليهم وقد تأخروا عنها خطوة . لما رأتني أجفلت . تراجعت الضحكة عنشفتيها، وكأنها تعتذر . انتقلت بسرعة من الجهة التي كانت تسير فيها، ، وقد كانواوراءها ناحية اليمين ، إلى الجهة الأخرى ، أعطتني صدرها كله وهي ماتزال تبحث بقلقعن نقطة التوازن.
هل يمكن للإنسان ان يكون شديد الروعة الى هذه الدرجة ؟وهليستطيع انسان آخر ، أي أنسان

عن adnan2003

شاهد أيضاً

رواية ملامح الحزن العتيق / كاملة

صبااحكم مسائكم سكر اليوم جايبه معي قصه حلووووه وممتعه وغريبه للكاتبه اقداروانشاءالله تعجبكم طبعا احياناً …