– عليهم يا حليمة والله إن ما تحلب اليوم متى تحلب ؟
كان هذا صوت العم ( سمعون ) كما اشتهر به ، ولا أحد يعرف حقيقة اسمه ، ويخيّل إلينا وإلى كل سكان الحي أننا نشأنا ووجدنا العم ( سمعون ) أحد معالم حينا ،
وكان وجه الاستغراب أن ينطلق صوت العم ( سمعون ) واضحاً كل الوضوح إذ لم نتعود منه ذلك مطلقاً ، فقد ألفناه يأخذ مجلسه أو مكانه اليومي المعتاد منذ أكثر من عشر سنوات ، وقد افترش وسادته واستند إلى متكئه فوق الكرسي الشريط ، وقد أطبق فاه وفتح ناظريه كأنما يتفحص الناس الذين يمرون أمامه ، أمماً شتى ، يختلفون ألواناً وأشكالاً ، وكأنه أبو الهول لفه الصمت ، والزمن يسير تحت ناظريه ، أو كأنه فقير هندي يمارس اليوجا ، صمتاً مطلقاً ، ولم يكن يفتح فاه إلاّ لينادي أحد شباب الحي ليساعده في طي متكئه ووسادته مساءً إذا ما أقفر الحي من رواده ، أو في باكر الصباح لمساعدته في حملها من الداخل وبسطها فوق الكرسي الشريط الذي أخذ مكانه بعناية تامة عند زاوية مدخل سكنه الشعبي في حي العلوي بحيث لا تصل الشمس إليه أو تزعج العم ( سمعون ) في جلسته .
لذلك كان انطلاق صوت العم ( سمعون ) عالياً في غير موعده مثار فضول الناس ، ولكنه كان يتنبأ بما هو قادم ، فما كاد ينتهي من قالته تلك ، حتى نادى على أحد المارة – وكل المارة بالحي يعرفه – لمساعدته في طي المتكأ وإدخاله معه إلى داخل الدار .
وفجأة هبت الريح باردة واجتاحت أزقة الحي وحواريه ، وتحولت الريح من صبا باردة إلى عاصفة مزمجرة ، وارتفعت من كل الجوانب في أجواء الحي بقايا أوراق متناثرة وقطع من الكرتون والقش الذي يغلف أو يحشى الكراتين التي تحمل بضائع تجار الحي ، واشتدت الريح فأخذت تدفع كل ما أمامها من بقايا ، حتى النفايات قلبت صفائحها وبراميلها – إن كان في حيّنا براميل – واختلط كل شيء بما حوته حواري وأزقة الحي وأخذت تتطاير في الجو حتى كأنها استبدلت مكانها على أرض الحي بمكانها فوق أجوائه ، أخذت درجة الحرارة تنخفض ، وازدادت كثافة السحب الداكنة وتحول ضوء النهار إلى ما يشبه الإظلام .
وفي الداخل كان العم ( سمعون ) يساعد زوجته في حمل المتاع الداخلي خشية المطر
– حتى إذا اطمأن الزوجان إلى أن كل شيء سيكون بعيداً عن متناول المطر والبلل ، توسد العم ( سمعون ) إحدى المراتب الأسفنجية واتكأ عليها مستنداً بعد أن لبس الفوطة – ونادى على زوجته :
– يا سلام يام الخير لو بايدك اللي ما نعدمها تهيئي كده براد أخضر منعنش ..
وبكل الفرحة التي جمعاها خلال مشوار حياتهما الزوجية قالت :
– من عيوني يا سيد الرجال …
وقامت الزوجة تهيئ المطلوب بينما استرخى العم ( سمعون ) ، وأخذ صوت المطر وئيداً قطرة ، قطرة ، والعم ( سمعون ) يستمتع بالصوت وكأنه إيقاع موسيقي .
وما هي إلاّ لحظة أو دون ذلك حتى أرعدت السماء بعد أن أضاء الأفق بارق يكاد يخطف الأبصار ، وانهمر المطر كأفواه القرب ، وخلت الشوارع وحواري الحي وأزقته وارتفع صوت العم ( سمعون ) :” سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح “ ثم ارتفع صوته مرة أخرى :
– فين الطشت يام الخير ؟ سيبي اللي في ايدك .. وهاتي ناوليني الطشت الكبير والصغير والكروانة ..
وجاء صوت ( أم الخير ) :
– ليه ! جرى إيه ؟ عسى ما خّر السقف .. وي وي يادي الحوسة ؟
– سقف إيه اللي يخر يا حرمة يا مخرفة ..
وكان في نبرة العم ( سمعون ) صدى السخرية :
– ليه انتِ فاكرة انه من المباني الحديثة !! دا شغل قديم ومتعوب عليه .. ومعمول أيام كانت الناس ذمتها نظيفة ، وخوف الله متولج قلوبها ، مو زي هادي الأيام الشغل كله شيش وبيش ، لا فيش ولا عليش ..
– أجل ليه تبغى الطشت والكروانة ؟ شوفهم في المركب ( المطبخ ) وراء الباب عسى ما تبغى تحلب البقرة دحين ، هو دا وقته ؟
– صدق من قال إنكن ناقصات عقل ودين ، هادا وقت اضرم البقرة ؟ ابغى اضرمك أنت وأنا ..
وكان يُلقي الحديث وهو متجه إلى السلالم المؤدية إلى سطح الدار حاملاً الطشت والجردل ، بادي النشاط والهمة :
– المطرة هادي فين نلاقيها ؟؟ قلت نجمع موية المطر عشان …
ولم تمهله ( أم الخير ) حيث جاء صوتها من أسفل الدار :
– موية مطر إيه يا راجل !! لاه انت خرفت أحد يجمع موية مطر هادي الأيام ؟؟
خلاص والحمدلله الموية في المواصير والحنفيات ، والا حنيت لأيام زمان لما كنا نجمع موية المطر في السهاريج ..
– أهو انتِ طول عمرك كدة تطفي الكبابة من القدر ..
قالها العم ( سمعون ) وقد بلغ نهاية صعوده إلى السطح ليضع الطشت والجردل ليجمع مياه المطر وبعد أن اطمأن إلى وضعهما وأنهما سيجمعان كمية وافرة من مياه المطر عاد الهبوط وقد رفع الفوطة إلى فوق ركبته ، ثم أخذ يهبط يتابع حديثه معها :
– بس لو تصبري شوية وتشغلي الجهاز اللي جوا راسك هدا كان فهمتيها ..
– سيبك من اللت والعجن ، تعال يا سيد الرجال كده واستريح ، وخلينا كده نكيف رؤوسنا بالشاهي الأخضر المنعنش .
وأقبلت ( أم الخير ) حاملة صينية الشاهي الأخضر والبراد وكأسي الشاهي ، أحدهما صغير الحجم – مسكوفي بأدن – وهو الخاص بها ، وتحتفظ من باب الاحتياط بنصف درزن منها لأنها – كما تؤكد دائماً – لا تستسيغ للشاهي إلاّ في هذا النوع من فناجين الشاهي .
وفجأة أضاء الأفق والوجود برق لامع أعقبه صوت فرقعة الرعد الرهيبة لدرجة أن
( أم الخير ) اضطربت فزعاً وفرقاً وسقطت منها صينية الشاي فتحطمت بما فيها على الأرض ، وهرولت خائفة وألقت بنفسها في أحضان العم ( سمعون ) وظل جسمها يضطرب ويرتعش تباعاً ، وزاده في ذلك شدة هزال جسمها مع الشيخوخة التي أخذت تنسج شباكها حولها ، وضمّها العم ( سمعون ) بكلتا يديه في حنان غير خافٍ وهو يضحك ملء شدقيه ، فبدت بقايا أسنان بالية ، صفت في غير انتظام ، حتى إذا هدأ روع ( أم الخير ) ، لاحظت أن زوجها يضحك وقد ضمها بذراعيه الهزيلتين ، فحاولت الخلاص مما أفسدته أصوات الرعد والبرق ، ثم رفعت رأسها وهي لا تزال بين ذراعيه :
– انت بتضحك على إيه ؟؟ يعني ما سمعت الصاعقة !! اللهم احفظنا ..
ومازالت تنظر إليه وهي بين ذراعيه مستسلمة ، وهو ما زال يراوح في ضحكته وكل جسمه يهتز ، قفصه الصدري يعلو وينخفض ، ولمعت عيناه ببريق الحب والرضى كأنما كان يشدهما من شتات الزمن ، ثم انفرجت شفتاه :
– يا سلام على كده ، فاكرة يا حلوتي من خمسين سنة ليلة جوازنا وكنا واقفين الوقفة هادي وأيامها كنتي مستحية كده مخندسة زي البسة المغمضة مو زي هادي الأيام يا بعيدة كده عينك قارحة ، واقفالي زي شوكة النبك والا العمل الردي ولا كأني أنا مراتك ..
وامتدت ذراعاها لتحيط بخصره الهزيل تعبيراً عن شكر ولمسة وفاء ، ثم انفض الموقف العاطفي وأمسكت الأمطار عن الهطول بذلك العنف ، وعادت في ايقاع موسيقي ، وأخذت ( أم الخير ) تنظف المكان من آثار صينية الشاي المحطمة حتى إذا انتهت من ذلك ، نهضت قائلة :
– أسوي لك وحد ثاني بعد شوية ؟
– ولا تسوي لي ولا أسوي لك ، بلاش الشاهي ، قومي يا ست البنات ، كده اطبخي لنا معدوس اليوم بموية المطر .. لنا زمان ما أكلناها .. وأنا طالع أجيب الطشت والجردل ، نطبخ منها شوية والباقي نخليه للشاهي والذي منه – على فكرة – فين الحوت الناشف اللي اشتريناه من شهر ؟؟ يا سلام يا ست البنات ، كده معدوس بموية المطر ، وحوت ناشف ، والمخلل اللي سويتيه بايديك الحلوة اللي ما نعدمها .
– من عيوني يا سيد البيت ..
واتجهت ( أم الخير ) لإنفاذ المطلوب بينما وضع العم ( سمعون ) على رأسه وبقية ظهره كيساً من الخيش يحتمي به من المطر ، وذهب إلى الحظيرة المجاورة حيث يحتفظ هناك ببقرة حلوب يطعمها وتطعمه ، وتفيض بخيرات ربها على الجيران وأطفال الحي بلا مقابل ، وكانت تلك خلة في العم ( سمعون ) حببته إلى قلوب أهل الحي جميعاً ، كما كان بالحظيرة حمارة يعتني بها العم ( سمعون ) عناية خاصة ويستعملها في مشاويره وفسحه ، على قلتها .
ذهب العم ( سمعون ) ليتفقد الحيوانين وينظف الحظيرة من آثار العاصفة التي أغرقت المدينة . ارتفع صوت العم ( سمعون ) من الحظيرة مجيباً طرقات متتابعة على الباب إذ لم يكن هناك جرس ، ولم يكن العم ( سمعون ) يرضى بتركيب جرس للباب الخارجي بسبب الإزعاج ، ولعل ذلك كان بسبب العناد منه تجاه حفيده المهندس ( محمود ) ولا يزال يذكر أهل الحي والجيران المناقشة التي جرت بينه وبين حفيده ( محمود ) الذي تطوع مرة وأقام جرساً على الباب الخارجي وظل صغار الحي يداعبون الجرس بأيديهم حتى أصبح مصدر إزعاج ، وسأله ( محمود ) الحفيد لماذا يمانع في إدخال التكنولوجيا في بيته ، كان للعم ( سمعون ) حجته أن ذلك إزعاجلوجيا ..
وخرج العم ( سمعون ) من الحظيرة وعلى رأسه كيس من الخيش الذي اتخذه ليتقي به من المطر، وذهب ليفتح الباب مجيباً للطرقات المتتابعة .
– مين يا بو سامي اللي بيخبط على الباب ؟؟
كانت ( أم الخير ) تسأل من دخل غرفة المطبخ ، وكان العم ( سمعون ) قد فتح الباب ليجد ابنته ( سناء ) وزوجها ( محسن ) وطفليهما قد حضروا للاطمئنان والمشاركة في أكلة المعدوس ، وكانت فرحة العم ( سمعون ) بابنته وزوجها غامرة لا يعادلها إلاّ فرحة الطفلين بجدهما ، حيث قفزا وتعلقا برقبته وفوق ظهره ، ودلف بهما إلى الداخل وحضرت ( أم الخير ) واجتمع الشمل حول أكواب السحلب الذي أعدته
( أم الخير ) في الأصل لتناوله مع العم ( سمعون ) ، وجرى الحديث عن المطر وما صاحبها .
– ياه دي البلد غرقت يابويا ، تصوري يا أمي كنا ماشين بالسيارة والموية داخلة من أبواب السيارة ..
– طول عمرك يا جدّة وأنت كده ..
هذه كانت إجابة العم ( سمعون ) على حديث ابنته …
– بس يا عمي دا كان طوفان ، يمكن ولا من عشرة سنين ما شفنا كده ..
– يا محسن يا ابني المهم ايش بعد كده ؟؟ ربنا يلطف يا محسن ياولدي البلد ماتحتمل احنا من شوية مطر وهيا تزيط على أيامنا ..
– بس الدنيا اتغيرت يا بويا ، انت كمان ..
وهنا شاركت ( سناء ) في الحديث واستطردت :
– أقول الحق بعيوني هادي شفت عمال البلدية وهم بيفتحوا أغطية المجاري عشان الموية تتصرف .. واهه ، على قول أمي حبل من الله وحبل من الناس .
وهنا ارتفعت ضحكات العم ( سمعون ) حتى لقد سمعها الجيران من أهل الحي -وقلما كانت تسمع ضحكاته –
– يا سناء يا بنتي واحدة من اثنين يا اما انك طيبة القلب وعلى نياتك زي أمك وإلاّ مغالطة وبليطة زي المهندس محمود ولد أخوكي ..
– وي ، ايش به محمود ولد ولدي ، بس انت اللي مقسي قلبك عليه ، هدا مهندس قد الدنيا وهلبت عليه ما هو غايص لشوشته في المطر ، حاكم حقون البلدية ما حدي يحصل عليهم في أيام المطر ، أيوه ايش به محمود قل لي ايش به ؟؟
لعل ( أم الخير ) انتصرت لحفيدها المهندس ( محمود ) ولعله أغاظها أيضاً أن العم ( سمعون ) ضحك لانتصارها هذا مما يؤكد مقالته لابنته إن أمها طيبة القلب وعلى نياتها .
– أنا قسي قلبي على محمود ! حرام عليكي ، بس أنا أبغاه يكون رجّال زي أبوه ، يأكل لقمته بالحلال ، شريف ما أحد يقدر ينوشه ، لكن حاله ما يعجبني كده من الحدلقة اللي أكبر منه في الوظيفة والمسكنة لرئيسه والبسبسة ، كده ليه ؟ عشان ايه دا كله .. إيه ناقصه ! ياكلها بحلال وبعزة نفس .. دا مهندس وفي ايده صنعة ومهارة ، يفتح مكتب هندسة زي التانيين ..
– يوه يا بو سامي ، انت كمان ، ما هو الدنيا كده ، والكل على كده وإن ماسوّى كده ماراح يوصل .. بس يابو سامي انت كمان ، الدنيا اتغيرت والناس اتغيرت ، والا تبغى شباب الأيام دي يسكنوا في بيت زي حالنا !!
– هاه .. بديتي تقلبي الاسطوانة ؟؟ بيتنا هادا ، إتربى فيه أبوه وعمانه وعماته ، وايش فيه حالنا – وحق من أنزل هذا المطر – إني أنا أغنى واحد عل وجه الأرض الصحة والحمدلله ، ما نشتكي من مرض احنا ولا عيالنا ، ساكنين ومستورين في ملكنا ، آكلين شاربين مكسيين ، ولا احنا في حاجة مخلوق من خلق الله ، عشان كده نحن أغنى ناس ..
ولم يكد ينتهي العم ( سمعون ) من حديثه أمام إعجاب زوج ابنته وعدم قناعة ابنته حتى بادرت زوجته :
– لما اقولك ادروشت تقول لا ، انت فاكر كل الناس تفكر تفكيرك !!
وايش به محمود ؟؟ يعني سوا غير الناس ، ما هو الكل على كده ..
– يووه لما اقعد لبكره أهرج معاكي ما تقدري تفهميني ، بالضبط زي أنا ومحمود ، كل ما أكلمه في حاجة يقول لي هادي الأيام يا جدي أيام التكنولوجيا .. والله ماني فاهم التكنولوجيا دي تطلع إيه وراح توصلنا لفين !! نهايته قومي .. قومي حضري الغدا أنا خايف لا يشيط المعدوس ..
والتأم الشمل حول سفرة الطعام التي ارتفعت فوق الطبلية ، فالعم ( سمعون ) لم يسمح بتربيزة طعام وكراسي في الدار مطلقاً ..
– على ما نشأنا من يومنا الأكل فوق الطبلية يا محسن يا ولدي واحنا حولها قعود والحمدلله رب العالمين ..
– يا سلام يا حماتي ياريتك تعلمي حرمنا المصون طريقتك في طبخ المعدوس .. صحيح معدوس ممتاز ، قد ما أكلنا معدوس ، عمري ما دقته زي دا ..
وسرت معالم السرور والبهجة على وجه ( أم الخير ) لمديح زوج ابنتها لطريقة طبخها ، ولكن العم ( سمعون ) تدخل قائلاً :
– البركة في موية المطر ، هنا السر كله ، طبعاً بعد مصنعية أيادي أم الخير ..
– تشربوا الشاهي بعد الغدا والا أسوي لكم قهوة ؟
قالتها ( أم الخير ) هي تنظف آخر بقايا سفرة الطعام ، ولكن ( محسن ) أستأذن لينام أما العم ( سمعون ) فقد أصر على الخروج رغم معارضة زوجته وابنته :
– الدنيا مرطرطة يا بوسامي تخرج كيف ؟
– ولا يهمك أشد البردعة على حمالة الأسية وأخرج أتفرج على الرطرطة وايش سوت المطر في البلد ..
اتخذ العم ( سمعون ) طريقه ممتطياً دابته التي أسرف في العناية بها وزيّنها متجهاً إلى أعلى منطقة العلوي ، والدابة تغوص أرجلها في مياه المطر التي اسودت مما اختلط بها من تراب وطين ونفايات ، وما شاركها من مياه المجاري حتى أصبحت توليفة فذة من القذارة ، وكان منظراً بادي الرأفة حيث توقف الراجلون عن السير ، كل لزم داخل الدكان أو بداخل المنازل إلا العم ( سمعون ) الوحيد الذي يتجول فوق دابته ، وكان يقابل ضحكات الناس وتعليقاتهم قائلاً وهو يربت على عنق دابته :
– ” قديمك نديمك ” أو قوله : ” حمارتك العرجة تغنيك “
واتجه بدابته حتى وصل إلى مدخل كيلو 2 من طريق مكة ، وهناك كان المنظر عجباً ، ارتاحت له نفس العم ( سمعون ) فقد كانت المنطقة على امتداد النظر أشبه ما تكون ببحر متلاطم تمطى حتى احتل الأرصفة ، ثم تمطى فدخل الدور والمحلات التجارية ، وتوقفت الحركة تماماً ، وسقطت السيارات على اختلاف أنواعها – في اختبار العبور – فبعضها هجرها أصحابها ، وآخرون احتجزتهم المياه داخلها .
وأخذ العم ( سمعون ) يتيه بدابته وهو يعبر في غير عجلة من أمره ، ودابته كأنما رد إليها اعتبارها كوسيلة فريدة من وسائل المواصلات رغم التقدم العلمي الهائل فأخذت تتيه براكبها ، وعادت للعم ( سمعون ) روح المرح فكان يقترب من السيارات قائلاً :
– عسى ما خلاف يا اخو ؟؟ تحب أوصلك للرصيف ؟؟
ويستجيب أكثرهم لدعوته الصادقة ، فيردفه فوق دابته ، وكان منظراً بلغ حد اللطافة استمتع الناس به ، إذا يرون أحدهم يخرج من نافذة السيارة خشية أن يتسرب الماء داخلها إن هو فتح الباب ، فهو يحشر نفسه خارجاً من النافذة ، ثم يعالج وضعه ليكون الرديف ، ويكاد يختل توازن العم ( سمعون ) فيرتكز على حافة السيارة بيمناه وقدمه .
وعرج العم ( سمعون ) صوب شارع الصحيفة ليكمل متعته ويمارس عمليات انقاذ أصحاب السيارات ، وكان الماء أكثر ارتفاعاً هناك لضيق الشارع ، والناس على أطراف المداخل يشاركونه متعته ، ويزيدهم من المتعة بعمليات الإنقاذ التي يمارسها .
واقترب من سيارة فارهة فقدت رونقها لمِا علق بها من الماء والطين ، وأحنى رأسه لصاحبها يحدثه : ” عسى ما خلاف يا اخو “ وارتفع صوته عالياً بضحكات ساخرة ثم واصل الحديث :
– مين ؟؟ محمود تكنولوجيا ؟؟ والله ربي وراني فيك ، تعال معايا أوصلك ..
وضج المشاهدون ضحكاً لقالة العم ( سمعون ) – محمود تكنولوجيا –
وساعد ( محمود ) نحالة جسمه في الخروج من النافذة ليردفه جده ، وكان منظراً قليل الحدوث يجمع مظاهر ثلاثة : العم ( سمعون ) في كامل أناقته وكوفيته المنشأة فوق رأسه ، والفتى الأنيق في لباسه وحلته الافرنجية وقد تبللت أطراف بنطلونه بالماء والطين ، والدابة المنعمة ، واكتفى العم ( سمعون ) بمساعدة حفيده فلوى عنان الدابة في طريق العودة ، وأخذ يناكف حفيده الرديف :
– فينك اليوم .. فاتك الكثير !! معدوس بموية المطر ، وحوت ناشف من ايد جدتك ..
– وهو دا وقته يا جدي !! دا احنا من الصبح دايخين السبعة دوخات ،
والدنيا غرقانة ، دا طوفان مو مطر ..
– وهي دي أول مرة تحصل في البلد ؟ من سنين على دا الحال ، لكن قوللي يا محمود يا ولدي ، انت رحت بلاد بره واتعلمت وشفت بلاد أوربا ، يا ترى بلادهم تجيها أمطار والا ما يعرفوها ؟؟
ولعل ( محمود ) لم ينتبه إلى ما ينطوي عليه السؤال وما يبطنه جده ، ولعله ضحك لسذاجة جده العجوز ، فقال ضاحكاً وقد رفع يمناه دلالة على الكثرة :
– يووه يا جدي ، دي الأمطار عندهم يومياً كده زي ما الشمس عندنا كل يوم ، أمطار زي الرز نازلة الآن عندهم يا جدي ..
وظن أنه أضاف جديداً إلى معلومات جده ، الذي أخذ يضحك قائلاً :
– على كده يا محمود لا بد بلدهم كل يوم في ربكة وزيطة ، والا إيه ؟؟
– دربكة إيه ؟! وزيطة إيه ؟! انت فاكرهم زي حالتنا ، دي المطر تنزل قد ما تنزل ؟ وكل شيء ماشي في حال سبيله لا مدارس تقفل ولا تلاميذ يتأخروا ، المطر تنزل من هنا ، والأرض تبلعها من هنا ، دول متقدمة ، وأمم متقدمة ، مليانين تكنولوجيا يا جدي ..
ومرة أخرى ظن ( محمود ) أنه أغاظ جده بكلمة تكنولوجيا .
– طيب قوللي يا ولدي هيا التكنولوجيا حقتهم في بلادهم غير التكنولوجيا عندنا ؟؟ والا ماني فاهم !!
وأحسن الجد بذلك استدراج حفيده حيث أخذ صوته ونبراته تأخذ صيغة العليم المعلم :
– تكنولوجيا يا جدي معناها علم التصنيع والإتقان ، والتكنولوجيا في كل بلاد الله هيا التكنولوجيا ..
– طيب ليش ما نفعت معانا هنا ؟
وأخذ صوت الجد يرتفع في حدة واستطراد :
– والا التكنولوجيا حقتهم عجزت في نفع البلد ! على قول المثل البلدي : ” تتعب المزينة في الوجه الغلس ” .. ما هو شوف يا محمود يا ولدي ، هيا واحدة من اثنين ، يا اما المطر حقتنا خلقة ، يا اما التكنولوجيا اللي جابتها معها الخواجات علشان يتكنلجونا فيها غلط والا ايه ؟؟
– بصراحة ما ني فاهم يا جدي !!
– أفهمك أنا ..
قالها العم ( سمعون ) بحزم :
– انتم دحين ، قصدي أنت وأمثالك المهندسين ، أنتم أولاد البلد والمثل يقول : ” أهل مكة أدرى بشعابها ” يعني عارفين وضع بلدنا هادي وفين تتجمع الأمطار من سنين .. طيب لما جبتو الخواجات علشان تتكنلجونا ووقفتوا معاهم وشرحتوا لهم وشرحوا لكم ، ومشي الشغل ، السنة جاءت المطرة ورجع الكتان زي ما كان !! دا معناته ان التكنولوجيا البراني عجزت في الخراب الجواني ، والا أنا غلطان ؟؟
– والله يا جدي …
قالها ( محمود ) وكأنه يقاوم هزيمته أمام منطق جده ..
– ما ني عارف .. قصدي ما ني قادر أجاوبك ..
وتنحنح العم ( سمعون ) وربت على رقبة دابته وقد أوشكا أن يصلا إلى دار العم
( سمعون ) ثم قال لحفيده بحزم :
– تبغى الحق والا ابن عمه يا محمود يا ولدي ؟؟ الحقيقة وما فيها أن الخواجات من غير شك شطار وعندهم تكنولوجيا .. واللي احنا فيه اسمه تكنوريطا يعني تكنولوجيا الرطرطة ، والفاصل بين الاثنين شيء اسمه تكنو ..
وأصدر من فمه صوتاً كمن يشفط أو يلتهم شيئاً وقد قراب راحته من فمه :
– سفيا ، فاهم يعني ايه تكنوسفيا ؟؟ يعني تكنولوجيا السف .
ولم يحر ( محمود ) جواباً ، وكانا قد وصلا دار العم ( سمعون ) فترجلا ، وأخذت الدابة سبيلها إلى حظيرتها ، وألقى العم ( سمعون ) ذراعه حول كتفي حفيده قائلاً بحنان بالغ :
– نهايته .. تعال سلم على جدتك واتروش ونام بعد الحمام وقوم بعدها اضرب من المعدوس ، وخيرها في غيرها يا باشمهندس !!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تعليقي : هذه القصة من المجموعة القصصية ” زغرودة بعد منتصف الليل ” للمؤلف ” د. عصام خوقير ”
وعلى الرغم من أن إصدارها كان في الثمانينات ، وبالرغم من مرور عقدين على كتابتها ..
إلاّ أنه من العجيب والغريب أن تبدو القصة وكأنها تتحدث وتصف وقتنا الحالي !!
عالم البنات النسائي كل ما يخص المرأة العربية من ازياء وجمال والحياة الزوجية والمطبخ