لقد بدأت أحداث تلك الليلة فى الساعة الثالثة ظهرا عندما كانت فى زيارتها الدورية للطبيب المتابع لها وعند جلوسها لمتابعة حالة حملها وحالة هذا الجنين المنتظر الذى يتحرك فى أحشائها بدأت علامات الاضطراب والقلق تظهر على وجه الطبيب عندما قام بقياس ضغطها فوجده مرتفع جدا ثم قام بقياس نبضات هذا الملاك الطاهر فى أحشائها فوجدها ايضا غير منتظمة. لقد مرت الدقائق طويلة وهو يقوم باسماعها تلك النبضات، انها نبضات الحياة بداخلها، انها نبضات قلبها بل انها نبضات أغلى عندها من نبضات قلبها. بدأ القلق يتسرب اليها لدقة كشف الطبيب ثم قال لها: “غدا أراكى فى الساعة العاشرة صباحا لنقوم بالعملية القيصرية، ان انتظارك بهذه الحالة يعرضك انتى والجنين للخطر”…
“يا الهى غدا؟غدا؟ لقد كان ميعاد الوضع بعد شهر من الان. ان الجنين وزنه صغير جدا. اننى لست مستعدة بعد يا دكتور”. “لا فائدة من الكلام” قالها الطبيب فى حزم “ان ولادة الطفل بهذا الحجم الان افضل من الانتظار وتعرضك انتى وهو لمخاطر نحن فى غنى عنها. أراكى غدا فى المستشفى.” اذن انه الغد لا فائدة من الاستجداء ولا فائدة من المناقشة.
خرجت من عند الطبيب وهى مضطربة خائفة وأخذت تحدث نفسها: “لماذا انتى خائفة؟ انها ليست أول تجربة يالنسبة لكى. متى تنضجين وتتجاوزى مشاعر الخوف هذه. أأنتى خائفة على هذا الملاك الطاهر البرىء الذى لا ذنب له فى حالتك الصحية أم خائفة على نفسك وعلى سلامتك ام خائفة على تلك الجميلة الصغيرة المتعلقة بك؟ ام خائفة من كل هذا؟ لا بد ان تعلمى ان الاقدار بيد الله سبحانه وتعالى ومصائرنا لا نتدخل بها وكل شىء مكتوب عند الله. اذن لماذا الخوف والاضطراب؟ ولكن لا حيلة لى فى مشاعرى. يبدو اننى ضعيفة الايمان. انتى لم تعدى صغيرة انضجى والقى بحمولك على الذى لا ينام ولا يغفل عن أحد من عباده”
قادت السيارة وهى قلقة مضطربة وقررت الا تكون وحيدة فى هذه الظروف. كعادتها تكره الوحدة وتحب دائما مشاركة الناس لها فى افراحها قبل أحزانها…
وقررت ان تتجه الى منزل أعز صديقاتها لتفرغ عندها كل همومها ولكن ان الوقت ضيق قبل أذان المغرب والكل مشغول الان فى التحضير للافطار، هل ستذهب الى صديقتها هكذا فجأة؟ ماذا لو كان زوج صديقتها بالمنزل؟ ان الافضل الانتظار لما بعد الافطار ولكن انها لا تريد البقاء بمفردها، تعاودها الهموم والافكار السوداء مرة ثانية. لا بأس، ان العائلة اليوم مجتمعة كلها على مائدة الافطار عند احدى قريباتها. وسوف تلتقى بكل الناس هناك انها بحاجة لذلك وسوف تخبرهم ان غدا ميعاد وضعها وهم سيقفون بجانبها ويشدون من أزرها. وأخذت تقود سيارتها على مهل وتجوب شوارع الضاحية الهادئة وعقلها مضطرب متشتت يعمل بسرعة فائقة فيما يجب ان تقوم به من ترتيبات استعدادا للوضع. “لابد أن اشترى ثيابا جديدة للمولود، لابد أن أجد من يعتنى بصغيرتى فى تلك الايام،لا بد أن أجهز غرفة المولود الحبيب و سريره ولابد من توفير بعض الطعام فى المنزل تحسبا للايام القادمة….”
كل هذه الافكار تدور براسها حتى ان وقت اذان المغرب و ذهبت لتحضر ذلك الملتقى العائلى الذى تنتظره كى تفرغ ما فى عقلها من هموم الى أقرب الناس اليها…
كان المنزل مليئا بالزائرين، انهم كل أفراد العائلة تقريبا. الكل ينتظر مدفع الافطار وبعض سيدات العائلة يساعدن صاحبة المنزل فى تحضير المائدة.
ذهبت لتجلس على أقرب مقعد وعقلها لا يزال شارد و الكل يسلم عليها و يقول لها “هيا شدى حيلك، يبدو عليكى التعب، متى يحين ميعاد الوضع؟” وما الى ذلك من عبارات كانت كلها تزيد من احساسها بالخوف.
وبعد الافطار انفردت بأفراد عائلتها المقربين و قررت أن تقول لهم ما تخفيه..
“يا جماعة أنا سأضع المولود غدا لان الطبيب قال لى ان حالتى غير مستقرة وهناك خطورة على الجنين”. خيم السكون لمدة دقائق على أفراد العائلة ثم أحدهم قال لها “ان شاء الله خيرا و سوف نطمئن عليكى” والاخرون قالوا لها “لا تخافى كل شىء سيكون على ما يرام” و شعرت فجأة بانها أصبحت محور الحديث كله وهذا شىء لا تحبه على الاطلاق. ولكن بعد عدة دقائق اخرى تناسى الناس ما قالته لهم و الكل انهمك فى أحاديث جانبية وبقيت هى مرة ثانية وحيدة مع أفكارها. وحيدة وسط أفراد عائلتها.
وأخذت تفكر “لا بد ان هناك عيبا ما فى شخصيتى..لماذا أعطى دائما الامور أكثر من حجمها؟ ان الحياة تسير بصورة طبيعية وانا لم أعد صغيرة بعد لاستجداء الاهتمام من الاخرين” ثم ترامى الى سمعها بعد فترة ان أفراد العائلة يبحثون معا من سيقوم باصطحابها الى المستشفى. أقرب الناس اليها يتعلل بانه عنده اجتماع عمل مهم والاخرى لديها ارتباط هام جدا لا يمكن تأجيله و…
انها الان فى منزلها، فى فراشها، بعد ان اطمئنت ان تلك الحبيبة الغالية نامت وراحت فى سبات عميق.. “كم هى جميلة، يارب أعطنى العمر كى أربيها، يا رب لا تحرق قلبها على أمها..يا رب سلمنى من أجل خاطرها”
ولم تنم ليلتها حتى سمعت المؤذن يؤذن لصلاة الفجر. قامت فتوضأت و جلست للصلاة. كم تود لو كانت تسطيع السجود ولكن ثقل ما تحمل وتورمها الشديد يمنعها. وجلست وحيدة بعد الصلاة تفكر “الان فقط أدركتى قيمة السجود، كم سجدة سجدتها فى حياتك بدون ما تشعرى بلذتها وقيمتها، كم ركعة ركعتها وانتى واقفة بدون ان تحمدى ربك على نعمة الوقوف، ان الانسان حقا كائن ضعيف جحود عندما تكون النعمة بيده لا يشعر بقيمتها وعندما ينزعها الله منه يدرك قيمتها ويتحسر عليها”
بدأ ضوء الصباح يعم السماء من النافذة التى بجوارها و أخذت تتلو أذكار الصباح ولكن ان تلاوتها اليوم مختلفة عن أى يوم مضى، انها تتلوها بقلبها فيمكن ان يكون هذا الصباح هو اخر صباح تشهده، انها توجه بصرها الى السماء فى خشوع، انها تكلم الله سبحانه وتعالى، نعم انها تكلمه “يا رب لم أجد غيرك فى وحدتى أتحدث اليه يا رب، يا رب خذ بيدى وسلمنى يا رب، أعرف اننى مقصرة فى كل شىء ولكنى وحيدة اليوم ضعيفة مذلولة اليك وحدك يا رب العالمين. يا رب نور لى طريقى انت النور الوحيد الذى تراءى لى فى ظلمة ليلى يا رب” وأخذت الافكار تعبث فى عقلها ” انها اليوم وحيدة ايضا، ضعيفة ذليلة ولكن فى يوم مهيب.. انه يوم الحشر، يا الهى أبهذه السرعة انقضى العمر، لقد مر كلحظة، ان كل الناس هنا واقفون، لا أحد يريد التحدث معها كل مشغول بنفسه حتى قرة عينها وأهلها كل يقول نفسى نفسى..
ان العمر حقا قصير يمر كلمح البصر.. والموت قريب منا ولكن فى زحمة الحياة نحسه بعيدا كالسراب.. وهو الحقيقة الوحيدة فى حياتنا.
أفاقت من أفكارها هذه وهى فى غرفة العمليات منتظرة مجئ الطبيب للبدء فى العملية.. انها ممدة على فراش متحرك فى غرفة واسعه.. يتحرك فيها الاطباء والممرضات بكل يسر وسهولة يقومون بعملهم فى مداواة المرضى وافاقتهم..
يمر بجانبها سرير به سيدة لا تزال فى مرحلة الافاقة، لا تعى شئ حولها. ثم سيدة اخرى على وشك الدخول الان الغرفة لاجراء عملية ما وطلبت منها الدعاء لها..
الانسان فى لحظات ضعفه يطلب الدعاء من كل الناس الاغراب قبل الاصحاب..
دعت لها وأخذت تطمئنها وتقول لها “لا تخافى ان شاء الله سالمه فنحن فى لحظتنا هذه لا نملك الا الدعاء لبعضنا البعض. ربنا معنا”
يتبع
عالم البنات النسائي كل ما يخص المرأة العربية من ازياء وجمال والحياة الزوجية والمطبخ