((( ما خيّر الرسول بين أمرين إلا اختار أيسرهما )))

ما خيّر الرسول بين أمرين إلا اختار أيسرهما
تكلف المشقة في الحج لا يضاعف الثواب

يوضح د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر أن المتدبر لآيات القرآن الكريم التي تحدثت عن الحج يجدها قد فصلت الحديث عن هذه الفريضة متى كان قادرا على أدائها ومن دون مشقة أو إعسار على نفسه امتثالا لقوله تعالى: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين” (آل عمران: 97) وقد وعد المولى عز وجل من يؤدي هذه الفريضة، بإخلاص وخشوع، بالثواب العظيم.

كما أن السنة النبوية المطهرة حملت الكثير من البشارات لمن يؤدي هذه الفريضة أيضا بإخلاص ومن دون أن يشق على نفسه، ففي الصحيحين أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: “إيمان بالله ورسوله” فقال الرجل: ثم ماذا؟ قال: “ثم جهاد في سبيل الله” فقال الرجل: ثم ماذا؟ فقال: “ثم حج مبرور”.

كما بشرتهم السنة المطهرة بأن الحج المبرور، الذي لا رياء معه ولا إثم، يهدم ما قبله من ذنوب ويمحق الخطايا، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”، أي أن من أدى الفريضة من دون أن يرتكب ما نهى الله عنه رجع من حجه وكأنه قد ولد من جديد لا ذنوب عليه ولا خطايا، وهذا الحج المبرور جزاؤه الجنة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي في الصحيحين: “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة”.

النفقة الطيبة

وقد بشر رسول الله بأن الحج المبرور تكون النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله، فقال عليه السلام: “النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف”، فهل يأتي إنسان بعد هذا ويريد أن يشق على نفسه حتى ينال ثوابا مضاعفا؟.

إن الحج إذا كان من مال حلال دعت الملائكة لصاحبه بالرحمة والمغفرة، فقد أخرج الإمام الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا خرج الحاج حاجا بنفقة طيبة (أي بنفقة من حلال) ووضع رجله في الغرز (أي في الشيء الذي يعتمد عليه في ركوب رحلته) ثم نادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور مأزور”، (أي غير مصحوب بذنب أو بإثم).

ويضيف شيخ الأزهر: والعبادات يجب أن تؤدى كما جاءت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من دون تكلف أو تصنع في أدائها أو كيفيتها فهو القائل: “صلوا كما رأيتموني أصلي”، وأيضا القائل في شأن الحج: “خذوا عني مناسككم”.

والعاقل من الناس هو الذي يحرص على ألا يراه الله تعالى حيث نهاه، وألا يفتقده حيث أمره، وكذا من لا يتكلف المشقة ويتصنع التقوى، بل إن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم، فهل يأتي أحدنا ليشق على نفسه بدعوى مضاعفة الأجر والثواب؟!.

حفظ النفس

ويشير د. نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق إلى أن مسألة المشقة في أداء العبادات والشعائر تتركز في الصعوبات التي لا يستطيع الإنسان أن يتفاداها مثلما كانت الحال في الزمن السابق من صعوبة المواصلات، لذلك كان من يريد أداء الحج يسافر راكبا أو راجلا، ومن لم يستطع يناله ثواب الحج طالما عزم على أدائه، أما اليوم فقد تقدمت وسائل المواصلات وأصبحت مريحة، وبالتالي فالإنسان مطالب بأن يستخدمها وألا يتركها ويلجأ لغيرها كالجمل أو الحج سيرا على الأقدام، كما كان الوضع في الأزمنة السابقة بدعوى التمسك بوسائل المشقة حتى تتضاعف الحسنات، لأن العبادات إنما شرعت في الإسلام لتحقيق مصلحة الإنسان وتنفيذ الخلافة الشرعية لله في خلقه للإنسان على الأرض: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”. “الذاريات 56”.

ولكن إن اتخذ الإنسان المشقة كهدف أساسي باعتبار أنها في حد ذاتها عبادة، فهذا يخالف إرادة الله تعالى القائل: “وما جعل عليكم في الدين من حرج” “الحج 78”، “إنما يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”. “البقرة 185”.

فإذا توافرت وسائل المواصلات أو الراحة للإنسان فعليه اتخاذها بشرط ألا يزيد هذا التيسير في التكلفة المالية فيشق على نفسه أو يتحمل ما لا يطيق، فمثلا في عصرنا الحاضر يوجد نظام الحج السريع الذي يتكلف الكثير، وكلما زادت النفقات كان التيسير أكثر، لكنني أرى أن هذا ليس تيسيرا لأن الحاج لو سلك الطرق المعتادة المتوسطة من خلال الحج العادي المتاح حاليا، ثم أنفق باقي التكاليف التي توافرت من نفقات الحج السريع في مصارف الزكاة، وهي كثيرة ومتنوعة، لتحصل على الثوابين، ثواب أداء فريضة الحج وثواب الإنفاق في سبيل الله.

ويضيف د. نصر فريد واصل: بالنسبة لمسألة حج المريض مثلا الذي يعزم على أداء الحج، وغلب على ظنه القدرة دون وقوع أي ضرر على نفسه نقول له: طاب مسعاك، وحجك مبرور وذنبك مغفور، أما إذا غلب على ظنه عدم الاستطاعة البدنية مع قدرته المالية فنقول له: المحافظة على النفس البشرية أحد المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، والدين وسيلة تحيي النفس فكيف يكون هذا الحفاظ على النفس في حين أن شعائره تقضي على النفس الإنسانية وأساس الحياة؟ فعليك أن توكل أحدا غيرك لأداء الحج عنك بشرط أن يكون قد حج عن نفسه أولا.

ومع ذلك فهذا المريض مخير بين أدائه الفريضة إذا تيسر له ذلك من خلال الوسائل الحديثة في الانتقال والتحرك في الأراضي المقدسة، وبين أن يوكل غيره، أي أن يأخذ بالعزيمة أو بالرخصة والتيسير.

دين الرحمة

ويلتقط خيط الحديث د. محمد الراوي رئيس لجنة شؤون القرآن بمجمع البحوث الإسلامية فيقول: الحج ليس مجرد فريضة تهذب النفوس، وتعصم السلوك وتجمع أهل الدين الواحد على الخير والبر، بل هو عنوان للأخوة الإنسانية العامة التي فرقتها الأهواء وانحرفت بها الشهوات، لذلك نجد إسلامنا الحنيف لا يدع الفرد ينطوي على أنانية ليحيا وحده، وإن هلك الناس، بل يطبعه بشرائعه وآدابه على الإيثار والحب والسلام، ويجعل سبيل التقرب إلى الله تعالى البر بعباده والألفة بين خلقه من دون إعسار أو تصنع مشقة أو تشديد على النفس، وما أجمل أن ترى الحج في موكبه الجامع على عرفات، وان تتأمل ما يتردد فيه من ذكر وما يتلى فيه من آيات، فلماذا نأتي اليوم ونريد أن نجعل منه عقيدة قاسية متشددة معسرة على النفس الإنسانية؟

إن الحج كغيره من الفرائض غايته طهر النفس وطمأنينة القلب بذكر الله، وإشاعة الحب والرحمة بين عباد الله، وأولى بهذه الرحمة الإشفاق على النفس من المشقة، والإسلام لا يقبل أبدا أن يقوم حق على حساب حق آخر ولو كانت النية فيه طلب المثوبة والأجر والاستزادة من عمل الخير، فإن الخير في متابعة الفطرة واعتدال النفس.

يسّروا ولا تعسّروا

ويؤكد د. أحمد عبد الرحيم السايح الأستاذ بجامعة الأزهر أن التشديد على النفس وتكلف المشقة في أداء العبادات يتنافيان مع أبسط مبادئ الإسلام الحنيف الذي دعا إلى التيسير، كما يقول صلى الله عليه وسلم: “يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا”.

ومعنى هذا أن يبحث الإنسان عن الأمر الميسر والأكثر تيسيرا، وهناك حديث يهتم به أهل الفقه يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه”، فإذا يسَّر الله تعالى على إنسان أمرا فينبغي أن يأخذ بهذا التيسير وألا يشدد على نفسه طلبا للأجر لأن الأعمال بالنيات، والله تعالى يعطي الأجر للإنسان حسب نيته في ابتغاء مرضاة الله، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”.

إن الإنسان يحصل على ثواب عمله حسب جهده ومشقته في الحياة كما يحصل على الأجر حسب صبره على المشاق والابتلاءات، ولكن إذا كان هذا الإنسان موسرا فينبغي عليه أن يبذل ما في وسعه كي يريح نفسه، وييسر لها الأعمال وأداء العبادات وألا يشق عليها، لأن المال الذي ينفقه طالما هو قادر ومالك له سيأخذ عليه أجرا من عند الله تعالى.

أما الرجل المعسر أو من ليس عنده سعة في المال فقد يذهب إلى أداء فريضة الحج بالبر أو البحر، راكبا أو ماشيا، وله أجره عند الله تعالى نتيجة المشقة التي كابدها وبذل فيها ما بذل، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: “وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق” (الحج: 27).

وعلى كل، ينبغي على الإنسان الذي أعطاه الله النعم ويريد أن يؤدي فريضة الحج، أن يبذل ما في وسعه فييسر على نفسه ولا يشق عليها ابتغاء الأجر، لأن الله تعالى هو الذي قدر العطاء فيعطي كل إنسان حسب ما يتيسر له، وهو القائل عز وجل: “وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب” (البقرة: 197)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل ميسر لما خلق له”.

عن

شاهد أيضاً

للتفاؤل طــاقه عجيبه وغـــداً مشرق…!