فضفضة ..!!
تمر بالإنسان مراحل في هذه الحياة العصيبة تصير فيها الحياة أضيق من سم الخياط ، يراوح الإنسان فيها بين الغنى والفقر ، بين القوة والصحة والمرض والسقام ، تشط النفس عن طبيعتها فتميل إلى أضعف حالاتها ، تنشط تارة وتضعف أخرى ، مصداقاً لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم به حيث قال : ( ألا وإن لكل عمل فترة ، ولكل فترة شرة ، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ) ..
هذه الحياة طبعت على كدر ، وأكدارها علامة أكيدة لزوالها ، إذ تدل على أنها ليست بدار مقامة ، فهي إن صفت يوماً تكدرت أياما ..
طبعت على كدر وأنت تريدها ** صفوا من الأقذاء والأكدار
حين تضيق بالنفس الدروب ، وتعصف بالإنسان المشكلات ، وتتكاثر عليه الهموم ، فإن هذا إشقاء للمبطل ، ورفعت للمؤمن المتيقن ، ففي الوقت الذي تتسكر فيه سبل الأرض تنتفح امام المؤمن سبل السماء ، فيطرب لمناجاة ربه ، منطرحا بين يديه ، شاكيا له ، باثا لمن خلقه ورزقه وخلقه من ماء مهين لأواء الحياة وصعابها ، في ليلة مظلمة حالكة ، يناجي فيها من يعلم دبيب النملة السواء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ، يجتمع الكون بين عينيه حين يسجد لربه ، فترتبط معالم الأرض بحجب السماء ، إنها لحظة أثمن من الدارهم والذهب والفضة ، إنها سعادة تغمر الإنسان فيشرق لها قلبه ، حينها يقول : ويل للكافر حين تأتيه الغموم والهموم إلى من يلجأ !
إن هذه المشكلات التي تعترض الإنسان في طريقه ، وتكدر عليه عيشته هي حبل رقيق ، يقدره الله ليتصل عبده به ، ويشعر بالحاجة إليه والتوكل عليه ، والخضوع بين يديه ، لان الغنى حين يبتلى به الإنسان فإنه يصرفه عن سمو النفس ومناجاتها لربها إلا من رحم الله : ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) ، فتنقلب في حس الإنسان المسلم المحنة لتكون منحة ، فلولاها لما عرف قيمة المناجاة والإخبات ، ولما قام في الليالي يناجي من يعرف السر وأخفى .. ثم تأتي إليه البشائر تترى ، رؤية صالحة ، وفأل حسن ، وانشراح في الصدر ، وانفراج في الأمر .. يصمت ، فإذا رسالة جواله ترن .. وبها :
أسأل ربي أن يبلغك ما يسرك ..
ويكفيك ما يضرك ..
ويسعدك دنيا وآخرة ..
فيشعر الإنسان بقيمة كلمات قليلة الألفاظ كثيرة المعاني .. فالدعوة الصادقة تأتي على القلب كالماء البارد على الضمأ ..
وبعد هنيهة .. فإذا الطارق يعاود :
لوكشف الغطاء لابن آدم عما في الغيب من أثر الدعاء لم يفتر لسانه عنه لحظة ..
فكم من نعمة ظاهرة وباطنة استجلبت بالدعاء ، وكم من كرب كشفه الله بالدعاء ، وكم من ذنب غفر بالدعاء ، فمن وفق للدعاء فقد فتح له باب خير عظيم فليزمه ..
وهاتف يناجي :
من اعتمد على الناس ( مل )
ومن اعتمد على ماله ( قل )
ومن اعتمد على علمه ( ضل )
ومن اعتمد على سلطانه ( ذل )
ومن اعتمد على ( الله ) لا مل ولا قل ولا ضل ولا ذل ..
تأتي هذه الرسائل وكأنها حلقة متصلة من التثبيت ، وكأن كل مرسل يصرخ في فضاء مجلجل من الكلمات العظيمة أن اصبر ، وكأن هنا شعورا بين الإنسان وبين من يحب من الآخرين ، يشعرون به وبأحزانه وبينهم مفاوز من المسافات قاربتها وسائل الاتصال .. فلا يجدون إلا هذه الكلمات التي يرسلونها ويظنون انها لن تؤتي أكلها ، فإذا هي بلسم شاف للجراح ، ودروع أمام العاديات ، وصروح لترسيخ الإيمان والإيمان بالقضاء والقدر ..
يرن الهاتف :
عش واقعك ..ولا تسرح مع الخيال ، واقبل دنياك كما هي ، فسوف لا يصفو لك فيها صاحب ، ولا يكمل لك فيها أمر ، لأن الصفو والتمام والكمال ليس من صفاتها ..
من ذا الذي نال من دنياه غايته ..
ومن ذا الذي عاش فيها ناعم البال ..
واتذكر .. أنه اذا اشتد الحبل انقطع .
واذا اظلم الليل انقشع ..
واذا ضا ق الأمر اتسع ..
ولن يغلب عسر يسرين ..
دع المقادير تجري في أعنتها ** ولا تنامن إلا خالي البال
ما بين طرفة عين وانتباهتها ** يغير الله من حال إلى حال
ولاتنس أنك في نعم عظيمة ، وأفضال جسيمة ولكنك لا تدري ، تعيش مهموما حزينا تتفكر في المفقود ولا تشكر الموجود فاطمئن ..
واهدأ ..
وتفاءل ..
وأبشر .
واصبر ..
واجعل شعارك في الحياة ( لا تحزن إن الله معنا ) .
ثم يختمها أحدهم برسالة بعد طول انقطاع.. وكأنه هتاف الروح إلى الروح :
إذا اتعبتك آلام الدنيا فلا تحزن فلربما أراد الله سماع صوتك وأنت تدعوه..
لا تنتظر السعادة حتى تبتسم ، ولكن ابتسم حتى تكون سعيدا …
لماذا تدمن التفكير والله ولي التدبير ..
لماذا القلق من المجهول وكل شي عند الله معلوم ..
ولذلك اطمئن فأنت في عين الحفيظ ، وقل بقلبك قبل لسانك :
( فوضت أمري إلى الله )
سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم ..
أختم هذه الفضفضة التي طالت بمقولة للشيخ ابن سعدي رحمه الله : ( كثير من الناس ذوي الهمم العالية يوطنون أنفسهم عند وقوع الكوارث والمزعجات على الصبر ، لكن عند الأمور التافهة البسيطة يقلقون ، والسبب في ذلك أنهم وطنوا أنفسهم على تحمل الأمور الكبيرة وتركوها عند حدوث الأمور الصغيرة فأثرت على راحتهم ، فالحازم يوطن نفسه على تحمل الأمور الكبيرة والصغيرة ويسأل الله الإعانة عليها وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين ) ..
والله المعين ..
منقول
عالم البنات النسائي كل ما يخص المرأة العربية من ازياء وجمال والحياة الزوجية والمطبخ