كلمات في التربية الإسلامية.. (الأهداف والوسائل)
قضت إرادة الله تعالى أن تكون الكلمة الأولى، التي أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر اتصال للسماء بالأرض، هي كلمة اقرأ: “اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق”، وتتابع الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأ عليه الصلاة والسلام يدعو قومه للإسلام، ويقوم بتربية النخبة الممتازة التي أراد الله لها أن تمسك زمام القيادة العالمية وتكون خير أمة أخرجت للناس. وقد قامت هذه التربية على مصدرين أساسيين هما: كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهما المصدران اللذان حفلا بمنهج متكامل للتربية، يشمل غايات التربية ومنهجها، ووسائلها والعوامل المؤثرة فيها وطرقها.
واليوم نجد كثيرين من الناس يديرون كلمة “التربية” على ألسنتهم صباح مساء، وينظرون إلى التربية في بلاد الغرب على أنها هي التربية المثالية الفذة، التي تجعل من الكائن البشري إنساناً مرتقياً مثالياً، وينسون في غمرة البريق الخادع أصالة دينهم وشخصيتهم الإسلامية المتميزة.. لذا نلمحُ إلى شيء من مبادئ التربية الإسلامية التي نعتز بها ونسعى لإعلائها، مع التذكير بأن المنهج التربوي يختلف من أمة لأخرى، لأنه يتأثر بعقيدتها ونظرتها للوجود. ولكل أمة من الأمم تصور للوجود (عن الله والكون والحياة) يختلف عن تصورات الأمم الأخرى، ولذلك كان من الخطأ والخطر أن تستورد الأمة مناهجها التربوية والتعليمية كما تستورد السلع الاستهلاكية والمنتجات المادية، والأمة المسلمة في هذا ليست بدعاً بين الأمم، فإن دولة غربية أوروبية لا ترضى أن تأخذ بالمناهج الأمريكية، رغم الاتفاق بينهما في مجالات كثيرة ورغم انتمائهما لحضارة واحدة، ولذلك وقفت فرنسا موقف المعارضة القوية للبث المباشر، واعتبرته غزواً أمريكياً ينبغي مقاومته.
إعداد الإنسان الصالح
إذا كانت مناهج التربية التي يضعها البشر لأنفسهم، بمعزل عن شريعة الله وهديه تلتقي كلها على أن هدف التربية هو (إعداد المواطن الصالح) بصفاته التي تحددها له؛ فإن الإسلام كما يقول الأستاذ محمد قطب لا يحصر نفسه في تلك الحدود الضيقة ولا يسعى لإعداد المواطن الصالح فحسب، وإنما يسعى لتحقيق هدف أكبر وأشمل هو إعداد “الإنسان” الصالح. الإنسان على إطلاقه؛ بمعناه الشامل، من حيث هو إنسان لا من حيث هو مواطن في هذه البقعة من الأرض أو في ذلك المكان. وذلك معنى أشمل ولا شك من كل مفهوم للتربية عند غير المسلمين.
والمثال الواقع يوضح هذه الفكرة: فإن الغربي في معاملته الحسنة وخلقه وأمانته، إنما يتمثل هذه الأخلاق داخل بلده، فإذا ما خرج عن بلده انقلب إلى وحش غابة مفترس، لا يعرف خلقاً ولا ضميراً ولا إنسانية، والأمثلة الواقعية في الأيام الأخيرة شاهد ناطق صادق على ذلك. قارن هذا بمثال واقعي في تربية الإسلام للإنسان الصالح في خلقه وسلوكه حتى مع الأعداء، كما في قصة إنصاف اليهودي الذي اتهم بسرقة درع، وكان السارق الحقيقي هو طعمة بن أبيرق، وفي ذلك نزل قوله تعالى في سورة النساء: “إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيماً..” الآيات (105 114). وفيها تبرئة لساحة اليهودي وإدانة للمسلم.
وقارنه أيضاً: بحكم القاضي المسلم حاضر بن جميع، الذي حكم على الجيش المسلم الذي فتح سمرقند، بالخروج من البلاد المفتوحة لأنها فتحت بما يخالف القواعد الإسلامية في الحرب.. قارن هذا بذاك تجد الفرق واضحاً والبون شاسعاً.
المنهج الإسلامي
يتميز منهج التربية الإسلامية بأنه منهج متكامل لتربية النفس الإنسانية بكل مكوناتها فهو منهج عبادة ومنهج تربية للروح والعقل والجسم.
منهج عبادة، بالمعنى الواسع الشامل للعبادة، التي تعني الصلة الدائمة بالله تعالى في كل شأن من شؤون الحياة، وهي غاية الوجود الإنساني في هذه الأرض (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
ومنهج لتربية الروح، وهي في نظر الإسلام، مركز الكيان البشري ونقطة ارتكازه والقاعدة التي يستند إليها الكيان كله ويترابط عن طريقها، إنها المهيمن الأكبر على حياة الإنسان، إنها الموجه إلى النور، ويكفي أنها صلة الإنسان بالله تعالى.
ومنهج لتربية العقل، وقد بدأت هذه التربية العقلية منذ اللحظة لنزول الوحي “اقرأ باسم ربك الذي خلق” (1)، “قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة” (2). والقرآن الكريم يحث على استعمال العقل، وعلى التفكير الحر المنظم، ويحث على التفكير والتدبر في السماوات والأرض والموجودات كلها، وينعى على المقلدين، الذين يعطلون عقولهم ليجروا وراء شهواتهم وعاداتهم والفهم الجاهلي، ويأمر بالتثبت والابتعاد عن الظن.
أما تربية الجسم: فالإسلام لم يهملها، ولم يترك الجسم مهملاً دون عناية به، ولم يبح أن يقوم العابد بتعذيب جسمه وإهانته كما هو الحال في بعض الشرائح فالجسم القوي السليم وسيلة من وسائل أداء العبادة، والعمل الجسماني عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله، ومن هنا حث الإسلام على العناية بالجسم: نظافة وقوة وتداوياً عند المرضى، واحترام كل الدوافع الفطرية الجسمية، لكي يؤدي هذا الجسم عمله كما ينبغي، أما وسائل التربية فهي كما يلي:
القدوة الحسنة
وهذه الوسيلة الفعالة لها التأثير الكبير في التربية بجميع نواحيها، إذ لا بد للطفل أو الطالب من مثل أعلى يقتدي به ويترسم خطاه، فلنقدم له القدوة الحسنة متمثلة برسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً” (3). ومتمثلة بالجيل الأول من الصحابة ومن أبطال الإسلام وقادته على مر العصور.
والرسول صلى الله عليه وسلم لم يرب أصحابه بالكلام يديره على لسانه، وإنما كان يربيهم بشخصه الكامل، فقد كان عليه الصلاة والسلام مثالاً للإنسان الكامل، بل كان قرآناً يمشي على الأرض، و”كان خلقه القرآن”، لذا مدحه الله تعالى بعظمة الخلق فقال: “وإنك لعلى خلق عظيم” (4)، والمسلم يربي بسلوكه وعمله قبل أن يربي بلسانه وكلامه، والإسلام انتشر في كثير من بقاع العالم بواسطة التجار المسلمين الذين كانوا أمثلة طيبة وقدوة صالحة.
ولذلك نجد مثلاً الطفل الذي يرى أبويه يقفان في جوف الليل، يناجيان الله تعالى بالعبادة والصلاة والدعاء، يتعلم السمو الروحي عملياً منهما.. ولن يتعلم الفضيلة طفل يرى أبويه أو أحدهما منغمساً في الرذيلة والشهوات، لأنهما قدوة له، وهو يتأثر بهما، ولن يتعلم الإنسانية والخلق السامي طفل يجد صدر أبيه ممتلئاً حقداً أو بغضاً وحسداً وضغينة على الآخرين.
الموعظة والقصة
والوسيلة الثانية هي التربية والموعظة، وذلك كي تتفتح النفس ويتذكر القلب، بعد أن يكون قد شرد عن الله وغفل عنه لسبب من الأسباب التي تصرف الإنسان وتبعده عن الله وعن منهجه وعن دينه، وفي القرآن الكريم نماذج كثيرة رائعة للتربية بالموعظة منها موعظة لقمان لابنه، قال تعالى: “وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم” (5).
وما أكثر مواعظ الرسول صلى الله عليه وسلم، وما أشد تأثيرها في النفوس، والمواعظ التي تتفتح لها القلوب والعقول وتذرف لها العيون، وقد كان عليه الصلاة والسلام يوجه أصحابه بالموعظة بين الحين والآخر، ومن ذلك حديث العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: “أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة” رواه أبو داود والترمذي.
وكان عليه الصلاة والسلام يعظ أصحابه عندما يشاهد خطأ، وينبه إليه بطريقة تربوية فذة، حيث يصعد المنبر ويقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا.. أو لينتهين أقوام عن كذا.
والقصة هي الوسيلة الثالثة: وهي وسيلة فعالة، لأن الإنسان يتشوق دائماً إلى معرفة المجهول، ويتطلع إلى المفاجآت، والقصة تحتوي على كل هذه العناصر المشوقة، ومن هنا كان تأثيرها الكبير في النفس، حتى إن القرآن الكريم اعتمد عليها كثيراً في التربية، واستخدم كل أنواع القصة، يستوي في هذا أن تكون قصة واقعية، كقصص الأنبياء في القرآن الكريم، أو قصة تمثيلية كقصة صاحب الجنتين في سورة الكهف (الآيات 32 43) وفي سورة القلم الآيات (16 34).
وقد اخضع القرآن القصة بجميع أنواعها للغرض الديني التربوي، فليكن في هذا حافزاً لاستعمال القصص الناجحة الموجهة في تربيتنا لأولادنا وطلابنا.
الأحداث والوقائع
التربية بالأحداث والوقائع وسيلة بارزة، حيث يستطيع المربي الماهر أن يتلقف كل حادث يقع ليغرس في أعقابه مباشرة ما يريد من المثل والأخلاق والأحكام في نفوس من يعلمهم ويربيهم، لأن النفس في أعقاب الحادثة تكون مستعدة لتلقي الدرس، كما فعل القرآن الكريم في تربية الجيل الأول، ونجد أمثلة لذلك في الآيات التي تنزلت في أعقاب غزوات بدر وأحد وحنين.. الخ، ونجد لهذا أمثلة رائعة في السيرة النبوية كما في موعظة النبي للأنصار عقب توزيع غنائم هوازن.
العقوبة والمثوبة
ونأتي أخيراً إلى العقوبة والمثوبة ومكانهما في التربية، فإن المثوبة أو الجزاء الطيب على العمل الطيب والتشجيع عليه بكل طريقة، وسيلة ناجحة تحمل على السعي الحثيث نحو الخير والفضيلة، وما أكثر الآيات القرآنية التي يرغبنا الله تعالى فيها بجنته وثوابه. والعقوبة أيضاً تقابل المثوبة وتسير معها، فليست كل نفس تنفع فيها المثوبة أو الموعظة، وعندئذ نلجأ إلى العقوبة كوسيلة أخيرة في التربية، وهي تتدرج من النظرة إلى الكلمة الطيبة ثم الكلمة العنيفة القاسية حتى إنها لتصل أحياناً إلى الضرب.. وخير عقوبة هي الحرمان من المثوبة والجزاء. وغني عن البيان أن كلاً من المثوبة والعقوبة تتنوع إلى مادية وأدبية، ولكل منهما تأثير في النفوس. وحسبنا هذه الإشارات السريعة، وللتفصيل مجال آخر.
هوامش
1 سورة العلق الآية (1)
2 سورة الملك الآية (23)
3 سورة الأحزاب الآية (21)
4 سورة القلم الآية (4)
5 سورة لقمان الآية (13)
عالم البنات النسائي كل ما يخص المرأة العربية من ازياء وجمال والحياة الزوجية والمطبخ