لا تعالج جرحك بقطع يدك

قال عبدالله بن طاهر ( ذو الرياستين ) : كنت عند المأمون يوماً فنادى بالخادم : يا غلام , فلم يجيبه أحد , ثم نادى ثانياً وصاح : يا غلام , فدخل غلام تركي وهو يقول : أما ينبغي للغلام أن يأكل ويشرب ؟ كلما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام , إلى كم يا غلام ؟ فنكس المأمون رأسه طويلاً فما شككت أنه يأمرني بقطع عنقه , ثم نظر إلي وقال : يا عبد الله , إن الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه , وإنا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لتحسن أخلاق خدمنا .
فليس على الإنسان أن تسوء أخلاقه إذا ساءت أخلاق الآخرين , بحجة أن ذلك سيصلحهم , فيكون كالذي عالج وخز إصبعه بقطع يده . وإنما يكون حال الإنسان حال المصلح الذي تهمه سلامته أولاً سلامة الناس وصلاحهم ثانياً , وليس في ذلك ذاتية كما يظن البعض , لأن صلاح النفس مطلب أساسي لصلاح الغير , كما أن النجاة بالنفس من سوء الأخلاق أهم من إصلاح الآخرين , ثم بعد ذلك يبذل جهده في اصلاح غيره .
لما قدم حاتم الأصم على الإمام أحمد , قال له الإمام : اخبرني كيف السلامة من الناس ؟ فقال حاتم: بثلاثة أشياء , تعظيهم من مالك ولا تأخذ من مالهم , وتقضي حقوقهم ولا تطالبهم بحقوقك , وتصبر على أذاهم ولا تؤذيهم .
والذي لاشك فيه في هذا المقام أن الصبر على أذى الناس أمر لاطاقة للكثير منا به , ولكنه علامة عقل وحكمة وحزم , وهو رأس اللإيمان , وعماد الأدب , وفوق ذلك قاعدة الأساس في بناء ذوقيات النفوس المهذبة , وسلوك الأرواح الطاهر , مؤيده قول الله تعالى : ” وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ” سورة الفرقان اية63
وهذا رسول الله يؤذى من الأعراب , فأحدهم يجذبه من ثوبه حتى يؤذي عاتقه , والآخر ينهره ويقول له : أعطني فليس المال مال أبيك , وأحد أحباريهود يسبه ويقول له : إنكم لمطل يابني عبد المطلب ، فينهره عمر ويحمل عليه يريد قتله , فينهاه رسول الله عن ذلك ويقول له : كنت أنا وهو أولى بغير هذا منك ياعمر . ويؤذى من سفهاء قومه , ومن سفهاء أحياء العرب , فيصر عليهم أذاهم, ويعطيهم ويكرمهم ولا يمنعهم , ويحلم عليهم ولا يجهل , فاجتمعت له القلوب واتفقت على حبه الأفئدة وفتح عليه الدنيا , وآمن الناس واهتدت العرب , وانتشرت الرسالة وتمت الأمانة : ” ولو كنت فظاً غلبض القلب لا نفضوا من حولك ” سورة آل عمران ايه 156
خرج زين العابدين بن الحسين – رضي الله عنهما- مرة إلى المسجد فسبه رجل فقصده غلمانه ليضربوه ويؤذوه , فنهاهم زين العابدين وقال : كفوا أيديكم عنه , ثم التفت إلى الرجل وقال : أنا أكثر مما تقول , وما لاتعرفه عني أكثر مما عرفته , فإن لك حاجة في ذكره ذكرته لك . فخجل الرجل واستحيا , فخلع عليه زين العابدين قميصة وأمر له بألف درهم , فمضي الرجل وهو يقول أشهد أن هذا من ولد رسول الله .
ودخل رجل على أبي حنيفة في مجلسه بالمسجد ’ فتكلم فيه وكذب عليه وسبه وأغلظ , والامام منكت راسه لا يرد عليه حتى فرغ الرجل وانصرف , فلما كان الليل جاءه الإمام فدق بابه وسلم عليه وقال : يا أخي إن كان في ما تقول فغفر الله لي وإن لم يكن في ما تقول فسامحك الله , وانصرف الإمام فتبعه الرجل وتعلق به وقال : سامحني ولا اعوذ لها أبداً , فسامحه الإمام , وكفاه الله سوء خلق الرجل بحسن خلقه معه . وتروى قصة مشابهة لهذه تماماٍ عن زين العابدين .
ولكنك ستواجه شخصيات منتكسة الفطرة الفطرة , مريضة القلوب , كلما ازددت لهم وداً وتقرباً كلما ظنوا ذلك ضعفاً منك فيزيد عليك سفههم وسوء أدبهم , فعاملهم وقتها بالطريقة المناسبة التي تجعلهم يعرفون أنك تصبر عليهم أدباً وذوقاً وليس ذلاً وضعفاً , واحذر أثناء ذلك على أخلاقك من أن تنحط لمستواهم أو تناطح سفههم وحمقهمم .
تعملت مع فئة من الناس بكامل الأدب وأحسن الذوق , ولاحظت أنني كلما تأدبت معهم تسافهوا علي , فاردت أن القنهم درساً فغيرت معاملتي وقسوت عليهم قسوة شديدة , وكلما ظهر منهم سفهاً أدبتهمم عليه في الحال , حتى أيقنوا عملياً أنني أستطيع أن أعاملهم بالأسلوب المناسب لانحطاطهم , فاعتدلوا وانضبطوا , وهنا حللت لهم شخصياتهم بأنها شخصيات ضعيفة وناقصة , وأن فطرتهم منتكسة .
إن الشخصية السوية هي التي تحسن أن احسن الناس ,ولاتسئ إذا أساءوا , بل تحافظ على تميزها وتفردها وذوقها وأدبها , ولا تنحط إلى درجة السوقة والسفلة من عوام السفهاء ,

منقول من كتاب الذوق وفن التعامل مع الناس تأليف : خالد السيد عبد العال

اتمني لكم الفائدة من هذا الموضوع واتمني منكم أخواتي العزيزات أن تذكروا لي الفائده من القصة وأثرها على نفسك ودمتم في رعاية الله وحفظة .

عن mohammad996

شاهد أيضاً

•·.·`¯°·.·• ( لا تصدقي عبارة أن الطيب لا يعيش في هذا الزمان) •·.·°¯`·.·•

..السلام عليكم ورحمه اللهـ ..كيفكم صبايا؟..ان شاء بصحه . و عآفيه.. / / / عيشي …