حكم تشقير الحواجب .


الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
لقد ظهرت في وقتنا المعاصر أدوات وطرق كثيرة، اتخذتها النساء للتجمل والتزين، ومن أشهر ما تفعله النساء للتجمل ما يعرف بـ(التشقير)، وقد أحببت أن أكتب هذه الورقات في حكمه، والله _سبحانه_ أسأل التوفيق والسداد.
والكلام في حكم التشقير يستدعي التقديم ببعض مسائل النمص كما يلي :

المسألة الأولى: ما النمص، وما حكمه؟
النمص لغة:
قال ابن فارس:”نمص:النون والميم والصاد أصيل يدل على رقة الشعر، أو نتف له”(1).
قال ابن الأثير في النهاية(2):”النامصة هي التي تنتف الشعر من وجهها”.
قال الزمخشري :”النمص نتف الشعر”(3)
قال الخليل:”النمص رقة الشعر حتى تراه كالزغب،…. وامرأة نمصاء وهي تتنمص أي: تأمر نامصة، فتنمص شعر وجهها نمصاً، أي: تأخذه عنها بخيط فتنتفه “(4)
قال ابن منظور:”النمص رقة الشعر، ودقته، حتى تراه كالزغب، ….تنمصت المرأة: أخذت شعر جبينها بخيط لتنتفه….قال الفراء: النامصة التي تنتف الشعر من الوجه”(5)

فقد ظهرت في وقتنا المعاصر أدوات وطرق كثيرة، اتخذتها النساء للتجمل والتزين، ومن أشهر ما تفعله النساء للتجمل ما يعرف بـ(التشقير). وقد أحببت أن أكتب هذه الورقات في حكمه والله سبحانه أسأل التوفيق والسداد.

وفي المعجم الوسيط :” انتمصت المرأة: أمرت النامصة أن تنتف شعر وجهها ونتفت شعر وجهها.تنمصت المرأة: نتفت شعر جبينها بخيط…أنمص الحاجبين: دقيق مؤخرهما مما يلي العذار”(6)
وفي تاج العروس :
“أنمص الحاجب، وربما كان أنمص الجبين، إذا رق مؤخرهما، كما في “الأساس”
وقيل: امرأة نمصاء تأمر نامصة فتنمص شعر وجهها نمصا أي تأخذه عنه بخيط”(7)
وفي تهذيب اللغة :
“قال الليث: النمص دقة الشعر، ورقته، حتى تراه كالزغب، ورجل أنمص الرأس أنمص الحاجب، وربما كان أنمص الجبين، وامرأة نمصاء تتنمص أي تأمر نامصة فتنمص شعر وجهها نمصا، أي تأخذه عنها بخيط”( 8 )

ويتلخص مما تقدم عن أهل اللغة ما يلي:
1ـ جميع الذين ذكروا متعلق النمص ذكروا أنه شعر الوجه(9)، وبعضهم أضاف الجبين، أو الحاجب(10).
فالنمص هو نتف شعر الوجه، أو الجبين، أو الحاجب.
2ـ النمص في اللغة: دقة شعر، أو نتف له، أي أن رقة الشعر من معاني النمص الأصلية، وليس فقط نتف الشعر.

3ـ الغرض من النمص: رقة الشعر، ودقته.

تعريفه اصطلاحاً:
اختلف الفقهاء في تعريف النمص على قولين:
القول الأول:
أن النمص هو إزالة شعر الوجه، ولم يقصره هؤلاء على إزالة شعر الحاجب، وهو قول جمهور أهل العلم، فهو مذهب الأحناف(11)، وقول للمالكية(12)، ومذهب الشافعية(13)، ومذهب الحنابلة(14)، والظاهرية(15)، وهو قول القرطبي في تفسيره، وابن حجر الهيثمي(16)، وعلي القاري(17)، والشوكاني( 18 )، وصديق خان(19)، وغيرهم .
قال القرطبي:”والمتنمصات جمع متنمصة، وهي التي تقلع الشعر من وجهها بالمنماص، وهو الذي يقلع الشعر”(20).
وفي شرح مسلم للنووي:
” وأما النامصة بالصاد المهملة، فهي التي تزيل الشعر من الوجه”(21).
ودليل هؤلاء :
أن النمص جاء تحريمه في السنة، ولم يأت عنه _صلى الله عليه وسلم_ حد لهذا النمص المحرم، فوجب أن نرجع في تحديد مدلوله إلى اللغة، وتقدم أن النمص في لغة العرب يشمل الوجه عند جميع أهل اللغة الذين وقفت على كلامهم، إلا صاحب المحكم كما سبق.

وإذا كان النمص في لغة العرب إزالة الشعر من الوجه؛ فإن تخصيصه بالجبين فقط تحكم بلا دليل، وتخصيص بلا مخصص، ومعلوم أن قصر الدليل على بعض مدلوله بلا حجة لا يجوز .

القول الثاني:
أن النمص هو إزالة شعر الحاجب، وهو قول للأحناف(22)، والمالكية(23)، والشافعية(24)، وقول أبي داود في سننه(25).
قال أبو داود في “السنن” : “النامصة التي تنقش الحاجب حتى ترقه”(26)
وقال النووي : “النامصة التي تأخذ من شعر الحاجب”(27)

ولم أقف على دليل لهؤلاء، يدل على تخصيص النمص بإزالة شعر الحاجب فقط.
الترجيح :
ما ذكره أبوداود( 28 )، والنووي، مخالف للمعنى اللغوي، ولجمهور الفقهاء، وهو تخصيص بلا دليل.
على أن النووي قد لا يريد قصر المعنى على الوجه بدليل قوله في شرح مسلم:” وأما النامصة بالصاد المهملة فهي التي تزيل الشعر من الوجه”(29).
وقال ابن حجر الهيثمي:”النامصة التي تنقش الحاجب حتى ترقه، كذا قال أبو داود والأشهر، ما قاله الخطابي، وغيره، أنه من النمص، وهو نتف شعر الوجه”(30).

وفي حاشية العدوي:
“وما ذكرناه من تفسير النامصة عن أبي داود، وقد قال بعض شراح المصنف:
وفسرها عياض، ومن وافقه، بأنها التي تنتف الشعر من الوجه، والأول يقضي جواز نتف شعر ما عدا الحاجبين من الوجه، وتفسير عياض يقتضي خلاف ذلك”(31).

وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى تضعيف القول بقصر النمص على شعر الحاجب
قال الحافظ: “النماص: إزالة شعر الوجه بالمنقاش،…. ويقال: إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما”.(32)
فقوله: “ويقال” فيه إشارة إلى تضعيف هذا القول كما لا يخفى.

والخلاصة:
أن الراجح دليلاً قول جمهور أهل العلم أن النمص لا يختص بإزالة شعر الحاجب بل يشمل مع ذلك إزالة شعر الوجه، والله _تعالى_ أعلم .

فيكون النمص ـ بناءً على ما سبق ـ : نتف شعر الوجه أو الحاجب.

حكم النمص:
النمص بمعناه المتقدم محرم، دلت السنة على ذلك، دلالة صريحة.
فقد أخرج البخاري من طريق علقمة، عن عبد الله، قال: لعن الله الواشمات، والموتشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت، فقالت: إنه بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ومن هو في كتاب الله، فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين، فما وجدت فيه ما تقول، قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت: “وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا”. قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه، قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه، قال: فاذهبي فانظري، فذهبت فنظرت، فلم تر من حاجتها شيئا، فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها”(33).

فهذا النص صريح في التحريم، إذ دلالة اللعن على التحريم صريحة، بل تفيد أنه من الكبائر.

عن alaak.p77

شاهد أيضاً

للتفاؤل طــاقه عجيبه وغـــداً مشرق…!