حكم
تخصيص آخر العام الهجري بعبادة
من صيام أو دعاء أو استغفار أو غير ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم
مِن مُحِبٍ ناصِح: إلى من يراه من المسلمين والمسلمات:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد:
فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
ولمسلم وعلقه البخاري: «مَن عَمِل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
وثبت عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم»، أخرجه أبو خيثمة في «العلم» (54)، ووكيع في «الزهد» (315) وغيرهما.
وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: «كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة» أخرجه اللالكائي (126) بسند صحيح.
وقال حَسَّانُ بن عَطيَّة -رحمه الله-: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم؛ إلا نزع الله عنهم من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة» أخرجه الدارمي (99) بسند صحيح.
وقال مالك بن أنس -رحمه الله-: «مَن أحدث في هذه الأمة اليوم شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فما لم يكن يومئذ دينًا: لا يكون اليوم دينًا» أخرجه ابن حزم في «الإحكام» 6/ 225.
وقال ابنُ تيمية -رحمه الله-: «أهل البدع شر مِن أهل المعاصي الشهوانية -بالسنة والإجماع-». [الفتاوى 20/ 103].
من هذه النقول وغيرها تتضح لنا خطورة البِدَع، لاسيما وأنها تشتمل على شيء من الخير في ظاهرها؛ لذا يسارع قليلو العلم إليها ويسهل انتشارها بينهم كما قرره الإمام ابن تيمية. [الفتاوى 4/ 51، الاستقامة 1/ 455].
وصدق الإمام الحافظ أبو زرعة الرازي -رحمه الله- حين قال: «ما أسرع الناس إلى البدع!!». [سؤالات البرذعي ﺻ562، تاريخ بغداد 8/ 215، ميزان الاعتدال 1/ 431].
والقاعدة الشرعية: «أن كُلَّ عمل يَتقرَّبُ به المسلم إلى رَبِّه ويرجو منه أجرًا وثوابًا، لم يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه، مع إمكانهم فعله وعدم وجود مانع من ذلك: فهو من جملة المحدثات والبدع».
ومِن البدع التي انتَشرت في هذه الأزمان المتأخرة: تَقَصُّدُ بعض الناس وتخصيصُهم آخرَ كلِّ عام هجري بأداء بعض العبادات -كالصيام والدعاء والاستغفار-.
وربما أوصى بعضهم بعضًا بذلك في المجالس، أو عن طريق رسائل الجوال أو غيرها.
ودافِعُهم إلى ذلك: اعتقادهم أن صحائف أعمال كل سنة تطوى في آخرها؛ فيُحبُّون أن تكون خاتمة صحائفهم خيرًا.
وهذا العمل منهم -وإن كان ظاهره خيرًا-: هو من جملة الأعمال المحدثة المبتدعة المخالفة للسنة؛ لأسباب منها:
1- أن العبادة إذا ورد الأمرُ بها مطلقًا، دُون تحديد لوقتها؛ فإن تَقَصُّد تخصيص وقت لها بلا دليل: يعتبر من البدع.
أفاده الأئمة: ابن تيمية وابن القيم والشاطبي والألباني وابن عثيمين -رحمهم الله- [الفتاوى 20/ 196، إعلام الموقعين 3/ 157، الاعتصام 1/ 486، 318، أحكام الجنائز صـ242، الشرح الممتع 4/ 56-57، البدع والمحدثات ص40].
وهذا هو الحاصل تمامًا في ختم آخر السنة بتلك العبادات؛ فما دليل مشروعية تخصيصها في هذا الوقت؟
2- أن هذا الفعل لم يَرِد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن أصحابه، والتابعين، وأئمةِ الإسلام؛ فهل نحن أحرص منهم على الخير؟!!
ومعلوم أن «العبادات مبناها على التوقيف والاتّباع، لا على الهوى والابتداع» [الفتاوى 22/ 510].
وما مِن أَحَدٍ يُخَصِّصُ زَمَانًا أو مكانًا يَفعل فيه عبادة من العبادات إلا لاعتقاد في قلبه. ثم هذا الاعتقاد قد يكون لدليل ثابت في الشرع، وقد يكون من الأمور المبتدعة -كما أفاده ابن تيمية [الاقتضاء 2/ 603، 610]-. ومسألتنا من النوع الثاني بلا ريب.
وكُنْ على تَنَبُّه مِن أن البدعة المحدثة: محرمة؛ ولو لم يعتقد صاحبها أنها سنة، بل لو اعتقد ذلك: وقع في تحليل المحرم؛ بل استحبابه!!!
3- القول بأن صحائف العام تُطوى في آخره: دعوى تحتاج إلى بينة وبرهان؛ إذ هو أمر غيبي؛ يحتاج إلى دليل، وأنّى لِمُدَّعِيه ذلك؟
4- لو ثبت أن الصحائف تطوى آخر السنة؛ فهذا لا يجيز بحال تَقَصُّد ختمها بعمل صالح؛ إذ لو كان خيرًا لسبقنا إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم-؛ فكيف وهو لم يثبت ولم يصح؟!
5- المقرر عند أهل العلم أن صحائف الأعمال إنما تطوى بالموت. وبَيَّن ذلك جمع من المفسرين، عند تفسير قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [سورة التكوير، الآية رقم 10]، [تفسير الطبري 30/ 73، البيضاوي 5/ 457، العز بن عبدالسلام 3/ 424، أبي السعود 9/ 116، النسفي 4/ 319، القرطبي 19/ 234، ابن كثير 4/ 505، الشوكاني 5/ 389. وانظر: مدارج السالكين للإمام ابن القيم 1/ 450، 3/ 121].
6- مِن المعلوم أن التاريخ الهجري لم يُوضع إلا في عَهد عُمَر بنِ الخطَّاب -رضي الله عنه-، واتَّفَق مع الصحابة على أن يكون أوله شهر محرم وآخره شهر ذي الحجة… فيا تُرَى: متى كانت تطوى صحائف الأعمال قبل وضع التاريخ الهجري؟!!
7- أن التقدير السنوي الذي يفصل ويُمَيَّزُ من اللوح المحفوظ إلى الكَتَبة، وفيه جميع ما يكون في السنة من الآجال والأرزاق وغيرها: إنما يكون في ليلة القدر (كما جاء ذلك عن غير واحد من السلف، وذكره المفسرون عند تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وانظر: [شفاء العليل للإمام ابن القيم 1/ 109]).
وبهذا يتبين لنا: أن تَقَصُّد المسلم ختم العام الهجري بعبادة -من صيام أو دعاء أو استغفار أو غير ذلك-: هو من الأمور المنكرة والبِدَعِ المحدثة في دين الله تعالى.
وبذلك أفتى جمع من أهل العلم المعاصرين، ومنهم:
1- فضيلة العلامة الفقيه الشيخ: محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى-، في بعض دروسه العلمية.
2- فضيلة الشيخ العلامة: صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله تعالى-، ونُشِرت فتواه في «جريدة الجزيرة» العدد (11122)، بتاريخ 9/ 1/ 1424ﻫ.
3- فضيلة الشيخ العلامة: صالح بن محمد اللحيدان -حفظه الله تعالى-، في برنامج «نور على الدرب».
4- فضيلة الشيخ المحقق: بكر بن عبد الله أبوزيد -حفظه الله تعالى-. كما في كتابه «تصحيح الدعاء» ﺻ107-108.
5- فضيلة الشيخ المحدث: عبد المحسن بن حمد العباد -حفظه الله تعالى-.
6- فضيلة الشيخ الفقيه: محمد بن حسن آل الشيخ -حفظه الله تعالى-.
فائدة (1):
خَتْم الأعمال الصالحة -كالصلاة والصيام والحج- بالاستغفار: مشروع. قاله: ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، وغيرهم؛ لورود ذلك في نصوص الكتاب والسنة. [التدمرية ﺻ228، إعلام الموقعين 3/ 125، مدارج السالكين 3/ 435-436، لطائف المعارف ﺻ383].
فائدة (2):
سئل الشيخ العلامة: صالح الفوزان؛ عن تخصيص خطب الجمعة في نهاية العام الهجري للتحدث عن العام المنصرم وما حصل فيه من خير أو شر… إلخ؟ فأجاب بقوله: «لا نعرف لهذا أصلًا…» اﻫ [الإجابات المهمة ﺻ229-230].
وختامًا:
قال الإمام البربهاري: «واحذر صغارَ المحدثات من الأمور؛ فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيرًا، وكذلك كل بدعة أُحدِثَت في هذه الأمة: كان أَوُّلهُا صغيرًا يُشْبِه الحق؛ فاغتر بذلك مَن دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها؛ فعظمت وصارت دينًا يُدان به، فخالَف الصراطَ المستقيم؛ فخرج من الإسلام». [شرح السنة ﺻ61].
وقال الإمام ابن تيمية: «فالبدع تكون في أولها شبرًا، ثم تكثر في الأتباع حتى تصير أذرُعًا وأميالًا وفراسخ». [الفتاوى 8/ 425].
وقال: «إنما يظهر مِن البدع أولًا ما كان أخف, وكُلما ضَعُف مَن يَقُوم بنُور النّبُوة قَويَت البدعة…». [التدمرية ﺻ194، الفتاوى 28/ 489].
وقال الإمامُ ابن القيم: «البدع تستدرِج بصغيرها إلى كبيرها؛ حتى ينسلخ صاحبها من الدين؛ كما تنسل الشعرة من العجين!! فمفاسد البدع: لا يقف عليها إلا أرباب البصائر. والعُميان ضالُّون في ظُلمة العمى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾». [مدارج السالكين 1/ 224].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
منقوووووول
عالم البنات النسائي كل ما يخص المرأة العربية من ازياء وجمال والحياة الزوجية والمطبخ