الحب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. ثم أما بعد.
تعريف الحب:
الحب .. ما هو الحب ؟؟!! كثير من الناس وقف أمام الحب فلم يستطع وصفه لأنه أمر قلبي بحت – بالطبع له إفرازاته الخارجية – فلجأ البعض إلى إعطاء مثال … وقال بعضهم : إنها لا تدرك إلا بالمعاناة ، أي لا يعرفه إلا من ووقع فيه وكابده .
ولكن الحب الذي نتكلم عنه ليس كأي حب زائف زائل .. إنه الحب بحب الله أي : أن ما يحبه الله ويرضاه نحبه ونرضاه وما كرهه لنا كرهناه ونبذناه .. وعلى هذا الأساس يعرف الشيخ نبيل حامد المعاذ الحب بأنه : شعور نفسي وعاطفة قلبية وومضة ربانية وانبعاث وجداني يميل بقلب المحب إلى محبوبه فيدفعه إلى موافقته والشوق إليه ويرخص لديه الفداء والعطاء والبذل والتضحية .. ( 1 )
مقدمة في الحب:
{إن الإنسان يحب نفسه . كذلك ركب في فطرته : (( وإنه لحب الخير لشديد )) يحب أن يستمتع بكل لون من ألوان الملذات الحسية والمعنوية . يحب أن يكون بارزا ظاهرا قويا متمكنا ذا سلطان . يحب أن يقهر ويتغلب . يحب أن يستحوذ على الكثير . يحب أن يعمّر وأن يخلد . يحب أن يكون نقطة ارتكاز الكون !
والإسلام لا يحارب الفطرة ولكنه يهذبها . إنه يريد للناس أن يحبوا وأن يكرهوا .. لأن هذه فطرتهم . ولكن الحب على إطلاقه والكره على إطلاقه يدمران النفس ويبددان طاقتها ، ويوزعانها ويستعبدانها فلا تملك الخلاص ! وحين ينقلب الحب والكره إلى شهوة لا ضابط لها فإنها لا تصطدم بالآخرين فحسب ، بل يتصادم بعضها مع بعض داخل النفس وتؤدي إلى البوار.
ويوقع الإسلام نغمة الحب للكون الذي خلقه الله .. فالإسلام يعقد صداقة قوية بين الكون والإنسان . صداقة الأخوة في الصدور عن الله ( وقد كشف العلم الحديث عن وحدة البناء في الكون والحياة والإنسان ) وصداقة العبادة المشتركة والتسبيح المشترك لله وصداقة الإحساس بتسخير الكون لمنفعة الإنسان .
ويوقع نغمة الحب للكائنات الحية التي تشارك الإنسان سكنى الأرض.
ثم يوقع نغمة الحب لبني الإنسان …
إن الناس الذين خلقهم الله من نفس واحدة لابد أن يكونوا أحبة .. فهم إخوة . إخوة في الخلقة وإخوة في الحياة على سطح هذا الكوكب . وإخوة في المصالح المشتركة . وإخوة في المنشأ والمصير …
والقرآن يذكر بهذه الأخوة وبحقها على الناس في صورة جميلة أخاذة تهز الوجدان :
(( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ))
(( والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ))
وأحاديث الرسول الكريم في ذلك كثيرة جميلة شفيفة :
(( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ))
(( وتبسمك في وجه أخيك صدقة ))
وحين يوقع الإسلام أنغام الحب هذه كلها ، فإنها بطبيعتها توازن حب الإنسان لنفسه وتضعه في وضعه الصحيح الذي لا يظلم ولا يجور ولا يغتصب لنفسه حقوق الآخرين .} ( 2 )
الأسباب المؤدية إلى المحبة بين الإخوان : ( 3 )
أولا : إفشاء السلام : يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم )) .
ثانيا: الابتسامة : وهي ابتسامة الحب والرضى ، ولنا في رسول الله أسوة حسنة في ذلك . فقد روى عبد الله بن الحارث رضي الله عنه : (( ما رأيت أحدا أكثر ابتساما من رسول الله )) والابتسامة فن مثلها مثل كل الفنون تحتاج إلى الدربة والممارسة حتى تتقنها فبقدر الممارسة بقدر التحسن الذي ستلحظه . يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( وتبسمك في وجه أخيك صدقة )) لذلك ينبغي أن تكون الابتسامة نابعة من القلب مفعمة بالحب مخلصة لله .
والابتسامة لا تكون في حال الرضى فحسب وإنما وحتى في حال الغضب وخطأ المقابل ! لماذا ؟؟
أ * لأنه يخفف حدة الغضب .
ب * لإعطاء مجال للمقابل للاعتراف بخطئه خصوصا الأطفال . وكمثال على ذلك ( قصة كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم وجاء المعذرون أخذهم على ظواهرهم وأوكل سرائرهم إلى الله … فلما أقبل كعب على النبي صلى الله عليه وسلم تبسم ابتسامة المغضب ) فهذا دليل واضح على أن الابتسامة تكون في حال الغضب كما تكون في حال الرضى مع اختلاف أشكال الابتسامة – بما يناسب الموقف – … وهذا مثال آخر وهو ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال : (( كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثري بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال : يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء )) متفق عليه .
ثالثا: المسح : وهو تمرير اليد على الرأس أو الجسم تعبيرا عن الحب والحنان ويكون تأثيرها كبيرا خصوصا لدى الأطفال : كما روى ابن عباس رضي الله عنهما عندما ذكر صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني يفتلها ثم صلى ) أخرجه البخاري ، وعن أنس رضي الله عنه إنه قال : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم )) .. هذا للصغار .. والكبار : عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عاد مريضا مسحه بيده وقال :”أذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما “)) فاليد لها خاصية نقل المشاعر من القلب إلى قلب الطرف الآخر.
رابعا : الضم أو الاحتضان: وهو الصاق الصدر بصدر المقابل … وله فوائد عديدة :
أ* يساعد على الصحة النفسية .
ب* تشعر الأطفال خصوصا بالقرب والحنان.
والضم مهم بالنسبة للكبار أيضا كما ضم جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم عندما أتاه في الغار .. وأيضا فعل الصحابة رضوان الله عليهم فإذا قابل أحدهم أخاه المسلم يضم بعضهم بعضا .. ولهذه الحركة حرارة تنبعث من القلب إلى القلب.
خامسا: التصريح بالحب والتلفظ به :
قال عليه الصلاة والسلام : (( إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه إياه )).
سادسا : الهدية :
ففي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( تهادوا تحابوا )) – مع أن بعض المشايخ تكلموا فيه إلا أن معناه صحيح وهو منقول بهذه الضيغة من المصدر – فالهدية تجلب المحبة وتزرع صورة المهدي في قلب المهدى إليه.
ملاحظة هامة:
الحب في الله سبيل إلى القلوب ، ولكن أحيانا تحدث تصرفات تكون سببا في تعويق هذا الحب !
فالاندفاع إلى إظهار العواطف الحب في غير تدرج أو روية ، وفي غير تلاؤم ووئام وفي غير مناسبة أو محاسبة .. يأتي بنتائج عكسية !.
فليس الحب في الله والمؤاخاة في الله وسيلة لاستمتاع عاطفي أو إضاعة الوقت في المناجاة وفي غير فائدة أو جدوى وإذابة صلابة المؤمنين في تهوين أعباء الدعوة ومسؤولياتها الجسام وإظهار طريق الجنة سهلا ، يمر عليه الإنسان بجلسات وصداقات وحفلات ورسائل ، وكثيرا ما يستمتع الإخوة بجلسات طويلة في زيارات عند إخوانهم ممن يضيق وقتهم بالمسؤوليات والواجبات وليس لديهم فائض من الوقت (( قالوقت عندهم هو الحياة))…
وإنما الأخوة في الله بذل العواطف والجهد في تعاون الإخوة في سبيل الارتقاء معا بالتربية والتكوين وبذر البذور وجذب البراعم وتنشيط وبعث الهمم ونشر الدعوة بالصحبة الصادقة والعبادة العميقة والدأب على تبليغ الدعوة بالتي هي أحسن .
وليس أعظم في بلوغ درجة الحب في الله تعالى من أن يكون الحب وسيلة إلى إظهار عظمة الدعوة وبناء هيكلها وإقامة دولة الإسلام. ( 4 )
وفي المقابل:
وكم في مجتمعنا من دعوات للإصلاح نحاربها دون أن نتأكد من حقيقتها .. نجري وراء الشائعات ، ونصدق الأكاذيب ورجال هذه الدعوة بين أظهرنا لا نكلف أنفسنا عناء سؤالهم والبحث عنهم والتحقيق معهم في آرائهم … وبذلك تصدم دعوات الإصلاح بالأكاذيب والشبهات وينجرف في معاداتها لا شرار الناس وأخلاطهم فحسب بل كرام الناس وخيارهم ممن تسرعوا في الحكم وتأثروا بالأضاليل ..
إن الاعتدال فيما نحب ونكره والتثبت مما نقبل ونرفض والتأني فيمن نصادق ونجافي .. هو سبيل الخلق الكريم وخطة العاقل الحكيم .. وطريق الأمة الواعية التي تأخذ بقدر وتؤيد بقدر وتعارض بقدر . ( 5 )
ختاما .. أسأل الله أن يؤلف قلوبنا على طاعته ورضاه وأن يجعل الحب فيه سمة لنا في حياتنا العملية وأذكر نفسي وإياك أخي الحبيب بالآية الكريمة : (( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ))
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آل وصحبه أجمعين
_______________________
1) كيف نحب رسول الله ؟ ، نبيل حامد المعاذ ص 25
2) منهج التربية الإسلامية ، محمد قطب ص 141 – 146 ( بتصرف )
3) شريط الحاجة إلى الحب ، مشبب بن فهد القحطاني
4) الطريق إلى القلوب ، عباس السيسي ص 99 – 100
5) أخلاقنا الاجتماعية ، د. مصطفى السباعي ص 58 – 59 ( بتصرف يسير)
عالم البنات النسائي كل ما يخص المرأة العربية من ازياء وجمال والحياة الزوجية والمطبخ