تأملات في السيرة من بعد صلح الحديبية ..


صلح الحديبية:
خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في عام خمس عشرة مائة من أصحابه، فلما وصل ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره، وأحرم منها بعمرة. وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عينا له من خزاعة فأخبره أن قريشا قد أجمعوا له الأحابيش وأنهم مقاتلوه وصادوه عن البيت ومانعه|. فأشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأشاروا عليه بالسير. وسار المسلمون باتجاه مكة وهناك نقص الماء وجاء الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبغون ماء من الركوة فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربوا وتوضؤوا. وعند بئر الحديبية بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على أن لا يفروا وقال لهم صلى الله عليه وسلم: أنتم اليوم خير أهل الأرض وقال: من يصعد الثنية فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل فكان أول من صعدها خيل بني الخزرج ثم تتام الناس. وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في ليلة ماطرة وأنزل الله عليه أنه أصبح من عباده مؤمن بالله وكافر، وأنه من قال أمطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن ومن قال أمطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بالله. فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن قريش مقاتلوه وصادوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين. فقال بديل سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريش وأخبرهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم قولا نحوا من قوله لبديل. وأغلظ بالقول على نبي الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه أبو بكر ، ثم أخذ يأخذ بلحية النبي صلى الله عليه وسلم فكان المغيرة بن شعبة يضرب يده بنعل السيف ويقول له أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل عروة ينظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يضربون أروع الأمثلة في حبه صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه . فرجع عروة إلى قومه فقال: والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. فقال رجل من بني كنانه دعوني آتيه. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له، فبعث له، واستقبله الناس يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ورجع إلى أصحابه وقال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال دعوني آتيه، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر، فجعل مكرز يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو, فلما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لقد سهل لمن من أمركم. فقال سهيل للنبي صلى الله عليه وسلم هات اكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وكتب الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين. وقد اختلف الصحابة وسهيل في كتابة بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: اكتب باسمك اللهم، وقد اختلفوا في كتابة رسول الله ، فكتب محمد ابن عبدالله. فصالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين يوم الحديبية على ثلاث أشياء: على أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، وعلى أن يدخلها من العام المقبل ويقيم بها ثلاثة أيامـ ولا يدخلها بسلاح إلا بجلبان السلاح (السيف- القوس- ونحوه). فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما يا رسول الله ، أنكتب هذه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل اله له فرجا ومخرجا. وقد منع المشركين النبي صلى الله عليه وسلم حتى من الطواف. فبينما هم كذلك حتى جاء ابو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، فقال أبوه سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي؟. وكانوا وقتها لم يقضوا الكتاب بعد، فأبى سهيل أن يصالح النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله، فرد الرسول صلى الله عليه وسلم أبا جندل يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو. فجاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاوره : لماذا نعطي الدنية في ديننا، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا،وإني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري. فانطلق عمر متغيظا، فذهب إلى أبو بكر فرد عليه بنفس الرد، فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا. فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات! فلما لم يقم منهم أحد دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة، فأشارت إليه إن ينحر بدنه، ويحلق شعره، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكلم منهم أحد حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا خالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك: قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا. فبينما النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى المدينة، نزلت عليه سورة الفتح، فاسبتشر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم نسوة مؤمنات مهاجرات، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن من هاجر من المؤمنات . ولم يأت النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلما ومنهم أبو بصير فلما رده النبي صلى الله عليه وسلم خرج حتى أتى سيف البحر. وانفلت أبو جندل من قريش فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة رضي الله عنها: لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها.
غزوة خيبر:
خرج النبي صلى الله عليه وسلم لقتال يهود خيبر، وكان عامر ابن الأكوع يحدو بالقوم، فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصلى المسلمون عند خيبر صلاة الغداة بغلس. فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم ومعاه أبو طلحة وأنس بن مالك، فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر، فدخل نبي الله صلى الله عليه وسلم القرية حين بزغت الشمس وقد أخرجت يهود مواشيهم، وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم. فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا إلى الحصن يسعون، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: الله أكبر، خرت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، قالها ثلاث مرات. فلما قدموا إلى خيبر قدم ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويضارب، وضاربه عامر ، فوقع سيف مرحب في ترس عامر وكان سيف عامر فيه قصر، فتناوله ليضرب به مرحبا فرجع ذباب سيفه على نفسه فأصاب ركبته فمتن وكانت فيها نفسه رضي الله عنه فإذا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون قتل عامر نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين-وجمع بين أصبعيه- إنه لجاهد مجاهد، قلّ عربيّّ مشى بها مثله. وكان بين جيش المسلمين رجل منافق يدعي الإسلام، فخرج رجل من القوم معه، فجرح جرحا شديدا فاستعجل الموت فقتل نفسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة.
فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصاره خيبر قد أصابته وأصحابه مجاعة شديدة، إذ أخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له، ثم أخذه من الغد عمر بن الخطاب فخرج فرجع ولم يفتح له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له. فبات الناس يدوكون أيهن يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجوا أن يعطاها، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية لعلي بن أبي طالب ووصاه أن ينفذ على رسله، وأن يدعوهم إلى الإسلام وقال: فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. وفلق علي رأس مرحب فقتله وكان الفتح على يديه. وكانت خيبر قد فتحت عنوة، فلم يغنم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبا ولا فضة، إنما غنم البقر والإبل والمتاع والحوائط. وقد حرم الله تعالى في خيبر أكل لحوم الحمر فإنها رجس. وكان أبو هريرة ممن جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه في خيبر.
الشاة المسمومة:وقد أهدت امرأة يهودية- وهي أخت ملكهم مرحب- رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية مشوية قد سمتها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأكل القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة، فمات بشر بن البراء رضي الله عنه. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودية فقتلت.
زواجه من صفيه: وجمع السبي، فجاء دحية لرسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب جارية من الصبي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فخذ جارية، فأخذ دحية جارية جميلة هي صفية بنت حيي بن أخطب وكان قد قتل زوجها وهي عروس. فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أن صفية بنت حيي سيد قريظة والنضير وأنها لا تصلح إلا للنبي. فدعى النبي صلى الله عليه وسلم دحية فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم اشتراها بسبعة رؤوس ثم قال لدحية: خذ جارية من السبي غيرها, فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، وأعتقها وتزوجها وأصدقها نفسها. وجهزتها أم سليم فأهدتها له من الليل فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروسا ثم أقام بين خيبر والمدينة ثلاث ليال. وأولم النبي صلى الله عليه وسلم على صفية فشبع الناس. ولما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا من خيبر سار ليله حتى إذا ادركه الكرى عرس وقال لبلال: إكلأ لنا الليل. ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وغلبت بلال عينه, فلم يستيقظ الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا صحابته حتى ضربتهم الشمس، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الصبح وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها.
قدوم مهاجري الحبشة:
ووافى جعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله عنهم حين قدموا من الحبشة بالسفينة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فأسهم لهم وأعطاهم منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلا لمن شهد معه. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ليس أحد أحق به من مهاجري الحبشة وأن لأصحابه هجرة واحدة ولمهاجري الحبشة هجرتان.
وكان الحجاج بن علاط رضي الله عنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستذنه أن يذهب إلى مكة وأن يقول في النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء فأذن له. فأتى الحجاج امرأته وأخبرها أن تجمع ما عندها وقال لها: إن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد هزموا في خيبر، فانتشر الخبر في قريش فاستبشرت وأظهر المشركون فرحا وسرورا، فلما بلغ الخبر العباس عم رسول الله فعقر ولم يستطع إن يقوم، وأرسل غلاما إلى الحجاج فقال له الحجاج: فليخل لي في بعض بيوته، ثم أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر وغنم أموالهم ، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية، ثم قال الحجاج: لكني جئت لمال كان لي هنا أردت أن أجمعه فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لي أن أقول ما شئت فأخف عني ثلاث ثم اذكر ما بدا لك. فجمعت امرأة الحجاج ما كان عندها من حلي ومتاع فدفعته إليه ثم استمر الحجاج، فلما كان بعد ثلاث ليال أتى العباس زوجة الحجاج فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته. ثم خرج العباس حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون-إذا مر بهم العباس- لن يصيبك إلا خير يا أبا الفضل، فقال لهم العباس لم يصيبني إلا خير بحمد الله ، ثم أخبرهم بخبر ما حدث في خيبر. فرد الله الكآبة إلى المشركين. وخرج المسلمون فأخبرهم العباس الخبر فسر المسلمون بذلك.
عمرة القضاء:
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة لعمرة القضاء التي تصالحوا مع المشركين بالحديبية عليها، وقاضاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يعتمر من العام المقبل، فاعتمر من العام المقبل. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد، وقعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع رسول اللع صلى الله عليه وسلم برادئه ثم قال: لا يرى القوم فيكم غميزة. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا مابين الركبين، ليرى المشركون جلدهم. فاستلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن ثم دخل، حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الحجر الأسود. ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاثة أطواف فكانت سنة، ولم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أصحابه رضي الله عنهم أن يرملوا في الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثا، ونكح بها ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها. فلما أن كان اليوم الثالث قال المشركون لعلي: هذا آخر يوم من شرط صاحبك، فمرخ فليخرج، فخرج. فلما خرجوا تبعتهم عمارة ابنة حمزة بن عبدالمطلب فقالت: يا عم يا عم. فتناولها علي رضي الله عنه فأخذها بيدها وقال لفاطمة رضي الله عنها: دونك ابنة عمك احمليها. فاختصم فيها علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنها. فعلي كان يقول انها ابنة عمه، وجعفر يقول ابنة عمي وخالتها تحتي، وزيد يقول ابنة أخي، فقضى بها النبي لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لعلي أنت منى وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خَلقي وخُلُقي، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا.
غزوة مؤته:
لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة : جهز جيشا إلى مؤتة ، واستعمل عليهم زيد بن حارثة رضي الله عنه، وقال لهم: إن قتل زيد أو استشهية اد فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد فأميركم عبدالله بن رواحة. وقد نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم وعينيه تذرفان، وقال: إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب، فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبدالله بن رواحه، فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، خالد بن الوليد، ففتح الله عليه. وكان خالد رضي الله عنه يقول: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية. وكان جعفر ابن طالب وجد في جسده بضع وتسعين مابين طعنة ورمية وقد قطعت يداه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آل جعفر بعد أن أمهلهم ثلاثا: لا تبكوا على أخي بعد اليوم،ادعوا إلي ابني أخي، وقال ادعوا لي بالحلاق وحلق رؤوسهم. وقال أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبدالله فشبيه خلقي وخلقي. وقال لأمهم اسما بنت عميس: العيلة لا تخافين عليهم أنا وليهم في الدنيا والآخرة.
كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك:
كتابه صلى الله عليه وسلم إلى هرقل: لقد كان للفتح الذي فتحه الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية أمارات وعليه دلائل وعلامات. فقد خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم إبان مدة الصلح الملوك العظام، وأرسل البعوث إلى القبائل والفئام. وقد سأل هرقل أبو سفيان أسئلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن نسبه ، وإن كان من آبائه ملك، وعن أتباعه أهم أشراف القوم أو ضعفاؤهم وإن كانوا يرتدون لدينه، وإن كانوا يتهمونه بالكذب أو كان يغدر، وعن قتال قريش له، وعن ما يأمر به. فلما سمع لإجابات أو سفيان قال: فإن كان ما تقول حقا، فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. ثم دعا هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية بن خليفة الكلبي, فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات، فأخرجهم. قال أبو سفيان: فوالله ما زلت ذليلا مستيقنا أن أمره سيظهر حتى أدخل في قلبي الإسلام وأنا كاره.
كتابه صلى الله عليه وسلم إلى كسرى: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا بكتابه، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى ملك فارس. فلما قرأه مزقه، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقهم كل ممزق.
البعوث والسرايا:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى ذات السلاسل، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وهم ثلاثمائة ، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق فني الزاد. فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع ذلك كله، فكان أبو عبيدة يعطيهم تمرة تمرة، فكانوا يمصونها كما يمص الصبي ثم يشربون عليها الماء فتكفيهم يومهم إلى الليل. ثم أصابهم جوع شديد حتى أكلوا الخبط، فانطلقوا على ساحل البحر فرفع لهم على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتوه فإذا هي دابة تدعى العنبر، فأكلوا منه نصف شهر، فلما قدموا إلى المدينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين في الحرقة من جهينة، فكان في المشركين رجل إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله. فقصد أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنه غفلته، فلحقه وهو رجل من الأنصار، فلما غشياه ورفعا عليه السيف قال الرجل: لا إله إلا الله. فكف عنه الأنصاري، وطعنه أسامة برمحه حتى قتله. فلما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بالخبر دعا أسامة فسأله لم قتلته. فلما أخبره أسامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال لا إلا الله وقتلته؟ فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال أسامة: قالها خوفا من السلاح! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا شققت عن قلبه؟ قال رسول الله: يا رسول الله، استغفر لي.فقال رسول الله: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة، قال أسامه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد أن يقول على هذه، فمازال يكررها علي حتى تمنيت إني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
نعيه صلى الله عليه وسلم النجاشي:
نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس النجاشي ملك الحبشة في اليوم الذي مات فيه، وقال: مات اليوم عبد صالح، أصحمة النجاشي. وصلى عليه وقال للناس استغفروا لأخيكم.

ولنا عودة,,
للأمانة المصدر كتاب المنهل العذب النمير في سيرة السراج المنير

منقوووول


عن darkhemo

شاهد أيضاً

للتفاؤل طــاقه عجيبه وغـــداً مشرق…!