الإسلام كفل للطفل حقوقه حتى قبل مولده

تفوَّق على الأنظمة الحديثة والتشريعات الدولية
الإسلام كفل للطفل حقوقه حتى قبل مولده

الدكتور محمد بن أحمد الصالح الأستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض بالمملكة العربية السعودية يكشف لنا عن حجم رعاية الشريعة الإسلامية لحقوق الطفل فيقول: لقد نال الطفل من الشريعة الإسلامية كل اهتمام حتى وهو لم يزل في ضمير الغيب، وما كل ذلك الاهتمام إلا لأنه زهرة اليوم وثمرة الغد وأمل المستقبل ويقاس بنضجه وتقدمه ونجاحه تقدم الأمم ونجاحها.. فهو الثروة التي تجب مراعاتها والحفاظ عليها، ولا يجوز بحال إهمالها أو التفريط فيها، فإنها بعض الحاضر وكل المستقبل وهو إذا ما أحسنت تربيته وتعليمه كان العدة ليوم الشدة.

مرحلة ما قبل الزواج

لذا كان الطفل جديرا باهتمام الشريعة الإسلامية، ورعايتها قبل الحمل به وذلك بالحث على اختيار الأم الصالحة حتى تكون أرضا طيبة تنبت نباتا حسنا، كما عنيت باختيار الأب الصالح، فحثت أولياء المرأة ووجهتهم إلى حسن اختيار الزوج الكفء، لأنه بمثابة ربان السفينة والمسؤول عن البيت فإذا اختيرت له الأم الصالحة، وهيئت له الأرض الطيبة، وسار في بطن أمه نطفة فعلقة فجنينا كاملا.. فإننا نرى الشريعة الإسلامية تحيطه في كل هذه المراحل بسياج من العناية والرعاية وتغار عليه حتى من أمه فضلا عن الآخرين، فليس من حق الأم أن تسقطه قبل تمامه أو تعرضه لشيء من المخاطر، وليس لأحد أن يعتدي عليه بوجه من الوجوه، فإذا ما اعتدى عليه معتد فإن الشريعة توجب عليه الغرة والكفارة إن أدى العدوان إلى إتلافه.. كما أثبتت الشريعة الأهلية للجنين ولكنها أهلية ناقصة حيث أثبتت له الحق في الإرث والوصية والوقف.

والشريعة الإسلامية التي رتبت للجنين هذه الحقوق من الطبيعي أن تحيطه بسياج من الحماية والتكريم بعد خروجه إلى الحياة.

يقول الدكتور الصالح: الشريعة الإسلامية أولت الطفل المزيد من الرعاية والعناية والاهتمام بعد ولادته وخروجه إلى الدنيا فمنحته حقوقا أخرى كثيرة تتحقق بها مصالحه وتكفل الحياة الرغدة والعيش الكريم وهذه الحقوق تتمثل في أمور عديدة أبرزها:

النسب والرضاع

حق النسب من أهم حقوق الطفل إذ إن انتماء الطفل إلى الأب يحفظه من الضياع ويحميه من التشرد، ووجود ولد بلا أب ينتسب إليه يعرض المجتمع كله إلى أذى كبير، ويؤدي إلى شر مستطير، كما يكون سببا في تعيير الطفل بكونه ولد زنا.. ولذا، كان من الواجب أن ينسب الطفل إلى أبيه، لأن الحقوق الأخرى من الرضاع والحضانة والنفقة والإرث تعتمد في نشأتها على ثبوت النسب.. لذا، حرصت الشريعة الإسلامية كل الحرص على إثبات نسب الطفل والتمست في ذلك كل الوسائل المتاحة.

أما حق الطفل في الغذاء (الرضاع) فإنه يبدأ بعد ولادته حيث يجب أن يتغذى الغذاء الذي يحفظ عليه حياته ويجعله ينمو وذلك عن طريق حليب أمه.. ولذلك فرض الحق سبحانه على الأم أن ترضع طفلها حولين كاملين، لأنه سبحانه وتعالى يعلم أن هذه المدة هي المثلى من جميع الوجوه الصحية والنفسية للطفل ولذلك يقول سبحانه: “والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة”.. وقد أثبتت البحوث الطبية اليوم أن مدة عامين ضرورية لنمو الطفل نموا سليما من الناحيتين البدنية والنفسية.

ومما يدل على عناية الشريعة بغذاء الطفل أنها منحت المرضع الحق في الفطر في رمضان، كما أوجبت عليها تناول الغذاء الذي يؤدي إلى إدرار الحليب الذي يحفظ حياة الطفل ويحصل به نموه.. وعلى هذا فقد ذهب فريق من الفقهاء إلى أن الرضاع واجب على الأم ديانة وقضاء ومعنى وجوبه ديانة أنها تأثم فيما بينها وبين الله إن تركت إرضاع ولدها من غير عذر مسوغ لذلك، وتجبر الأم على إرضاع ولدها قضاء عند الضرورة، بأن كان الولد لا يقبل إلا ثديها، أو لم توجد مرضع سواها، أو كان الأب والولد في عسرة لا يستطيعان معها دفع أجرة امرأة ترضعه، ففي هذه الأحوال تجبر الأم قضاء على الإرضاع لأنها إذا لم تجبر تعرض الولد للهلاك.

وإذا كان الله تعالى قد أوجب على الأم إرضاع الطفل فإنه قد جعل لها في مقابل ذلك حقا على والده، وهو أن يرزقها ويكسوها بالمعروف.. بل قال بعض الفقهاء بجواز مطالبة الأم بأجرة على إرضاع طفلها وألزموا الأب بدفع هذه الأجرة.

الاسم الحسن

تقرر شريعة الإسلام أن من بين حقوق الطفل على والديه حسن اختيار الاسم الذي يدعى به بين الناس ويميزه عن غيره من الأشخاص بحيث يكون اسما ذا معنى محمود، أو صفة طيبة يرتاح لها القلب وتطمئن لها النفس، أو اسما يبعث على الأمل والفأل الحسن، أو اسما يدل على الشجاعة والنشاط والهمة.

وقد جاء توجيه الشريعة إلى ذلك ..قال عليه الصلاة والسلام في بيان ما يستحسن من الأسماء “تسموا بأسماء الأنبياء” وقال أيضا “أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها: حارث وهمام”.

وإذا كانت الشريعة قد عنيت بتسمية الطفل فحثت الآباء على حسن انتقاء الأسماء فإنها قد منعت التسمي بالأسماء التي تحمل معنى التجبر والبطش والكبرياء والاستغلال في الأرض.. وإذا حدث وسمى أب ابنه باسم على خلاف ما دعت إليه الشريعة، فقد أعطت الإنسان حق تغيير الاسم إلى اسم يحمل معنى ساميا، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غير اسم “عاصية” وقال للمرأة التي سميت بهذا الاسم “أنت جميلة”.. والحكمة التي دعت الإسلام إلى تحسين الأسماء، وانتقائها من الكلمات التي تبعث البهجة والتفاؤل، ألا يشمئز الطفل من اسمه ولا يشعر بنفور الناس منه، فيدعوه ذلك إلى كراهية المجتمع حوله واعتزاله إياه.

وتولي الشريعة الإسلامية كما يقول الدكتور الصالح عنايتها بالطفل فتدعو إلى القيام بالكثير من الواجبات نحوه مما يترتب عليه حمايته ووقايته وسلامته من الأمراض فتؤكد على إزالة كل ما من شأنه التأثير في صحته ونموه وإذا كانت الشريعة الإسلامية تدعو إلى النظافة فلا غرو أن توجب هذه الشريعة أمورا تتعلق بإزالة الأذى عن الطفل ومنها الختان وحلق الرأس وبذل الوسع في نظافة بدنه وثوبه.

ولكي يتحقق كل ما تقدم كان لا بد أن تعنى الشريعة الإسلامية بالأسرة وترسم لها الطريق السوي، لكي يدوم الصفاء وتستمر الألفة والمحبة وتسود الرحمة والمودة، حتى يعيش الأولاد في أحضان الأبوين عيشة كريمة، بعيدة عن النكد والشحناء، فأمرت برعاية الولد والمحافظة على حياته وصحته وتربيته وتثقيفه بين الوالدين وهو ما يعرف بالحضانة.. لكن عندما تنفصم عرى الزوجية وينفصل الزوجان، فإن الشريعة لا تترك الأولاد للضياع والتشرد وإنما تعمل على تربيتهم وحمايتهم والمحافظة عليهم حتى يصلوا إلى مرحلة تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم وإدراك مصالحهم.. والأوامر والتوجيهات الواردة بهذا الشأن تكشف عن عناية الإسلام بهذه المرحلة القلقة واهتمامه برفع العوائق وإزالة العقبات من طريق الطفل ليتربى وينشأ نشأة سليمة وفي مرحلة الحضانة هذه حافظ الإسلام على مصلحة الولد أولا وعطف فيها على الأم ثانيا رعاية لحنانها وتقديرا لعاطفتها الفياضة التي ترى في الولد أنه جزء منها، فجعل للأم ثم لقرابتها الأقرب فالأقرب، حضانة الطفل حتى يبلغ سبع سنين، وبعدها يدخل مرحلة أخرى يصدر فيها حكما يجعله لابيه أو لأمه أو يتخير بينهما وذلك عدل ورحمة ووضع للأمور في مواضعها.

النفقة والتعليم

ألزم الإسلام بنفقة الصغير “ابنا كان أو بنتا” ولو كان الأب فقيرا وجب عليه السعي والتكسب متى كان قادراً على ذلك وإذا كان الأب فقيرا وغير قادر على التكسب أو لم تيسر له طرق التكسب لزمت الأم نفقة الصغير.. وتستمر نفقة الصغير على أبيه أو على ورثته حتى يحصل على مال أو يكبر ويكون قادرا على التكسب.

وأما إذا كبر الصغار وهم فقراء أو كانوا غير قادرين على التكسب، فإما أن يكونوا ذكورا أو إناثاً، فإن كانوا ذكورا فلا تجب نفقتهم على أبيهم إلا إذا كانوا عاجزين عن الكسب بسبب مرض أو غيره.. فإن كانوا قادرين على الكسب فنفقتهم من أكسابهم، وإذا قدر أحدهم على اكتساب شيء لا يفي بنفقته كان على الأب أن يكملها له.. أما البنت فتجب نفقتها على أبيها حتى تتزوج ولو لم تكن عاجزة عن الكسب ولا يجوز لأبيها أن يدفعها للتكسب أو يؤجرها في عمل أو خدمة فإن ذلك يعرضها للفتنة والانحراف.

ولما كان الأطفال أغلى ذخيرة على وجه الأرض وهم عدة المستقبل، فقد حثت شريعة الإسلام على العناية بهم وحسن تربيتهم وتأديبهم وتهذيبهم والرفق بهم والعطف عليهم كما أمرت الشريعة بتعليم الأطفال كل ما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة، وأول شيء ينقل لهم ويلقن في أسماعهم أعذب الكلام وأطيبه وهو ذكر الله تعالى.””.

عن aboalmothna

شاهد أيضاً

للتفاؤل طــاقه عجيبه وغـــداً مشرق…!