طيور
مازلت أذكر ,كنت طفلة في الثامنة من عمري أحيا في بيت من القرميد الأحمر يتكون من أربع حجرات وصالة استقبال ومجلس رجال , يحفه فناء صغير زرعه ابي الحبيب وجدتي رحمها الله, كنت طفلة حزينة, لا اشعر بذاتي ولا كياني , منزلنا يغص بنا ويزدحم بعددنا أخوتي الأكبر مني مملين , هناك من يضربني والآخر يشتري القصة التي أحبها ويمنعني من قراءتها الا اذا اصبحت خادمة مطيعة لديه , وآخر يتفنن في استفزازي وقفل التلفاز على البرامج التي أحب متابعتها , والأصغر مني أخوات مشاكسات, كلما أحضرت شيئاً من المدرسة أخذن في البكاء عند أمي حتى تعطيهم مثله فتنهرني أمي كثيرا لأنني وحدي من اسبب لها هذا الإزعاج, أخواتي الكبيرات لا يكلئن من ارسالي لتلبية طلباتهن , وأكبرنا كانت تشتري لي بعض الثياب الجميلة لكنها تنهرني كثيراً وتوسعني تأنيباً وعلى كل شيء, الإحساس بالذنب صفة أصبحت أتميز بها.
أبي الحبيب كان يحبني لكنه مشغول عني بعمله وبتلبية طلبات عددنا الكبير , كانت طفولة تعيسة , خالية من المعنى الأسري الذي أسمع به وأراه عند صديقاتي وبنات الجيرتان, كان لدي أحساس أنني الفتاة الغبية المزعجة , الفتاة التي تسبب المشاكل , الفتاة الأقل جمالاً , رغم أنني خارج البيت وفي المدرسة بالذات , كنت أشعر بإنسانة أخرى تنبعث من داخلي , كنت متفوقة , محبوبة من قبل معلماتي وصديقاتي , أشعر بكياني وبمواهبي في النشيد والإلقاء وكتابة القصص والأشعار البسيطة, كم من مرة تم اختياري وتكريمي في الطابور الصباحي , كم من مرة دعتني صديقاتي لحفلات يقمنها في منازلهن , كم من مرة وصلتني هدايا جميلة وألعاب أخفيها في صندوقي الخشبي , كم من مرة امتدحت صديقاتي ملامحي الجميلة وشعري الأسود الطويل وأهدابي الكثيفة التي تزين عيناي الواسعتان , وأنفي الدقيق الطويل وشفتاي الصغيرتان, كنت أشعر أن الحياة جميلة خارج منزلنا , عامرة بالبشر الطيبين الذين لا ينهرون ولا يشتمون ولا يعلموني ذاتي الصغيرة معنى الإذلال, كنت أبكي كثيراً في الليل خوفاً من أن يأتي أخ ليضربني أو لتشتمني وتأمرني بآداء مهام لا تفعلها أخواتي , أو خوفي من أخت استغلت سنها الكبير وسني الصغير لأقوم بعملها, وكان يقابلنا منزلهم, عائلة متميزة , منزلهم جميل للغاية , أم وأب وخادمة وأربعة ابناء , أحب أن أذهب اليهم لطلب أي شيء, قلم , ورق للرسم, زيت للطبخ, المهم أن أدخل منزلهم وألمح الصالة الواسعة الرخامية , صوت التلفاز , الهدوء , الكنبات التي تتوزع عليها الصحف وشرائط الكاسيت, وكنت ألمح احد الأبناء الأربعة يمرق من غرفته الى غرفة أمه يخبرها بقدومي وآخر يحضر قطته ويريني اياه فأبتسم بخوف ورهبة وآخر يمنحني قطعة حلوى ألتهمها بخوف , أذ أن اخوتي عودوني على الزجر والضرب والإهانة ولم أعتد على الإبتسام, وهم خالد ومشاري وعادل وراكان,كان راكان في المرحلة الثانوية , أكثرهم وسامة وطيبة , كان أكثر من يفتح لي الباب ويطلب مني أن أنتظر والدته لحين قدومها, شاب وسيم , فاتح العينين, في الثامنة عشر من عمره, مرح وخفيف الظل, انيق للغاية , كنت أشعر أنه الأكثر اهتماماً بتناسق ثيابه التي يحضرها والده من الدول التي يسافر اليها ,ألأمحه عند عوتي من المدرسة وهو يقف بسيارته الفاخرة ويحييني , ذات مرة كنت اسير في المطر الغزير , وكان عودي النحيل ينتفض من البرد وفور أن رآني أسرع لي ووضع معطفه على كتفاي النحيلتان حتى وصلت الى المنزل, كنت أشعر بشيء غريب تجاه هذه العائلة , كنت أتسائل لم لم أكن أختاً لهم , ؟؟لم لا أعيش معهم في منزلهم الهادىء الذي يطمئنني أكثر من منزلانا؟؟ لم لا أعيش عند أمهم التي تحتضنني أكثر مما تفعل أمي , وهم يقدمون لي الحلوى والابتسام, كنت أبكي في سكون الليل وفي ظلمته لأنني تمنيت أن أكون فرداً في عائلة أخرى غير أسرتي .
ذات مرة أرسلتني أمي لأدعو جارتنا لشرب القهوة , أسرعت بالذهاب , استقبلتني جارتنا بحنان كالعادة وضمتني الى صدرها وكانت تبكي وهي تودع راكان الذي سيسافر الى الخارج ليدرس الهندسة , حزنت كثيراً وشعرت برطوبة الدمع في عيناي , وأسرعت عدواً الى المنزل وفي دورة المياه أقفلت الباب على حزني وبكيت لساعات ,
بعد ذلك انتقلنا الى حي آخر , كبرت وقتها وتأقلمت أكثر و أصبحت في المرحلة المتوسطة , جدت في منزلنا أحداث ,تزوجت أختي الكبرى , وسافر أحد أخوتي للدراسة في العسكرية , والتحقت احد اخواتي بالمرحلة الجامعية , كان المنزل أكبر من سابقه , وقل عددنا وتحسن وضعنا المادي , ودب في المنزل بعض الإطمئنان, امتلكت سريراً ودولاباً ومكتب , وأحببت مدرستي الجديدة التي وهبتني ثقة أكبر , كنت أشعر بانبهار المعلمات والطالبات من مستواي وذكائي واسلوبي في الكتابة , ظهرت موهبتي في الكتابة ’ وأصبحت أكتب القصص العجيبة والطويلة , وأظهر ابداعاتي في الرسم , كنت في المدرسة فتاة غير عادية , لكن لازل المنزل ينظر لي كفتاة مزعجة نوعاً ما , فلم يعلم بوضعي في المدرسة سوى الجارات الاتي كن يثنين على عند أمي , تغيرت أمي قليلاً وربما شعرت أنني كبرت وأحتاج لقليل من الإحترام طالما رفعت رأسها أمام الحي , أما أخوتي الذكور فلا زال الوضع بيننا يزداد سوءاً خاصة وأنني كبرت وبدأت الأوامر لا هاتف لا زيارات للصديقات ولا حتى تلفاز, لكن لم يعد يعنيني هذا الشيء , فكما ذكرت أصبح لي سرير أخفي تحته القصص الجميلة العاطفية , وخزانة ثياب أحتفظ فيها بتذكارات وهدايا ومكتب اكتب عليه وأرسم رسومات جميلة , أسميت أحد دفاتري (الركن الهادىء) كنت أحب أي مسمى يحمل أحرف راكان , كنت استخدم في أشعاري الأركان , الركن , يركن ,
وينتابني رضا عجيب وغريب بأنه لازال في الذاكرة رغم انقطاع صلاتنا وانتقالهم الى مدينة أخرى , كنت أبث له همومي وطموحاتي وأكتب مذكراتي وكأنه صديقة حميمة , لم أعد أفكر فيه كشخص أو كحبيب اذ أنني لم أتعرف على مشاعري وقتها جيداً , لكن كانت صورة راكان تمثل لي الإطمئنان , الهدوء, الآمان والإبتسام وهو ما أفتقده في منزلنا ,
وصلت الى المرحلة الثانوية ,قل عددنا في المنزل , كبر أخوتي وتغير اسلوبهم بعض الشيء , قل عددنا بعد أن تزوجت أخواتي , أما أنا فاستمريت في أن أحيا في عالم المدرسة والصديقات واصبح لي صديقة أهاتفها وأزورها , وأقرأ عليها أشعاري وأبثها طموحاتي , حتى دعانا أحد أخوتي الذكور لزيارته في مدينة أخرى , كنت سعيدة بشكل لا يوصف , المرة الأولى التي سأركب فيها الطائرة وسأحمل حقيبة السفر , وجاء موعد السفر الذي كنت أتحرق له , وركبت الطائرة , واثناء انهماكي في ربط حزام الآمان أعلن المذيع الداخلي في الطائرة أن من سيقود الطائرة هو الكابتن راكان…!! شيء من الوجوم أصابني وتوقعت أن يكون تشابه أسماء , لكن طيلة الرحلة وأنا أقلب الذاكرة , أيكون هو؟؟لا ؟؟كيف ؟؟حتى وصلنا الى المدينة المقصودة , وهنا لمحت أبي وأحد أخواني يرحبون براكان الذي تقدم لتحيتهم بزيه الجميل وقبعته وربطة العنق التي شدت انتباهي بشكل عجيب , شعرت بشيء يقرع نبضات قلبي , صوته يصل الى اذناي وعيناي تتأملان ملامحه التي تغيرت , اصبحت لشاب يقترب من الثلاثين , ابتسامة حنونة , كتفان عرضتان, شارب كثيف, تغير شكله لكنه لازال كما هو في قلبي , سمعته يخبر أبي بأنه درس الطيران بدلاً من الهندسة , وأنه قد عقد قرانه على فتاة تنتمي لعائلة كبيرة عريقة , وهي وحيدة العائلة وابنتهم المدللة ,, تنهدت وأن أغبطها , فتاة مدللة؟؟؟ ياه ما أصعب أن أكون هذه الفتاة , دلال ؟؟مفردة غريبة لا أتخيل أنني سأحظي يوماً بها.
انتهت الرحلة , وبقي في داخلي شيء من ابتسامة راكان, نظراته الحنونة , صوته الرخيم الهادىء وشكله الجميل ,
أنهيت دراستي الثانوية , وبدأت المرحلة الجامعية , بجد واستقلالية , أصبحت فتاة توكيدية , لم أعد أرضي بالإهانة , أصبحت أناقش أبي وأمي وأخوتي عن وضعنا وعن الطرق المثلى لتعاملنا في المنزل, فغضبوا منى واعتبروني متمردة , صديقاتي أثرن على , تغيرت , تكبرت, لكن لم يعد يعنيني شيء , واستطعت فرض احترامي , وكان لا بد من شيء من الرسمية خاصة مع اخواتي الأكبر سنناً فهم لا يستوعبن الا أنني تمردت , استقليت بغرفة جميلة , ورتبتها ووضعت فيها أحلامي , أصبح من يدخل غرفتي يلحظ الأنوار الهادئة , الآلوان المتداخلة بذكاء , المكتبة الكبيرة والتي تعج بالكتب والقصص , دولاب الشموع …
أصبح لي عالم جميل مع صديقاتي , وتخرجت انسانة أخرى لم تستطع ظروف طفولتي أن تقتل شخصية قوية محترمة بشهادة من حولي .
حاول شقيق صديقتي اقامة علاقة عاطفية معي لكنني لم أستجيب , وحاول آخر قريب لنا , لكنني رفضت وطلبت منه التقدم رسمياً ان كان صادق , وفعلاً , تقدم رسمياً مرة ومرتان لكن أسرتي رفضته لأسباب غير منطقية , وآخر وآخر …..وبدأـ القائمة تقل وأسرتي تجد العيوب في كل من يتقدم, شعرت أن سنين عمري تذبل وشبابي يكاد ينطفىء وأنا أقترب من سن الثامنة والعشرين , واكتأبت كثيراً , كنت أنظر الى الزواج على أنه استقرار وبناء لأسرة أحلم بها , عكس نظرة أسرتي التي تنتظر الانسان الثري ذو المنصب الكبير..
فقدت الصبر حينها ,, وحاولت مناقشة قريبة لي لتتدخل , لا فائدة , حاولت مناقشة امي فثارت واستهجنت هذا الحديث مني وأخبرت والدي وانتقل الى أخوتي وأخواتي , فتغيرت نظرتهن لي واعتبر رأيي خروج عن الحياء وتمرداً ,, لم يكن بيدي وقتها سوى الدعاء , نعم , كنت ألأح في الدعاء في كل وقت وقدر ما أستطيع..
مرت اسابيع قليلة , حتى تلقينا اتصالاً من جارتنا ام راكان تخبرنا فيه بأنهم قادمون لقضاء الصيف في المدينة التي نقيم فيها,وحضرت واستقبلناها وكنت سعيدة جداً بمجيئهم, أخبرتنا بأن ابنائها الأربع قد تزوجوا وأنها تحيا في وحدة مريرة لكن ابنها راكان غير مستقر في حياته, اذ أنه يعيش في مشاكل لا تنتهي مع زوجته التي لم يجد الراحة معها , لكنه غير قادر على الإنفصال عنها بسبب تعلقه الشديد بإبنتيه التوأم,
مرت سنة على هذه الواقعة , علمت بعدها ان راكان انفصل عن زوجته , وسافر الى احدى الدول ليكمل دراسته في تخصص قريب من عمله, في تلك الآثناء اتصل ابن عم لنا وتحدث مع والدي حول رغبة راكان في الإرتباط بي, وأنه ألح عليه لدرجة الإحراج,
لم تتقبل اسرتي هذا الأمر لكن عرضوه على على مضض, في البداية لم أقتنع بالأمر؟؟انسان يكبرني بعقد من الزمان, له تجربة , له أطفال؟؟؟أين سيكون وضعي هنا؟؟؟
فكرت بتمعن وقلبت الأمر كثيراً في رأسي, ثم في ليلة شديدة الظلمة , ممطرة , فارقني فيها النوم , وبكيت بحرقة لشدة حيرتي ,خائفة من أن أندم ان أنا فرطت فيه ,, فتحت دفاتري القديمة وأخذت أقرأها وكأنني ألمحها لأول مرة , معقول ؟؟الهذه الدرجة كنت طفولتي ومراهقتي وبعضاً من شبابي موسومة براكان؟؟عجبت من أسطري التي كتبتها وأبياتي ومسمياتي ,,فلم تشرق شمس الصبح الا وأعلنت موافقتي …
وبسرعة مرت الترتيبات حتى جاء يوم عقد قراني , تزينت ورتبت نفسي ووجيب قلبي لا ينقطع , وتفكيري يوهنني , حتى جائت اللحظة التي أقبل فيها راكان نحوي يحمل هديته الثمينة بيد
وبالأخرى أطبق على يدي بدفء وقبل جبيني في أقسى آيات الحنان, جلس لفترة يتأملني ويهمس (كبرت وازددت جمالاً)كنت أغضي برأسي خفراً وحياءً , وأهتف في نفسي(أنت أيضاً تغيرت؟؟)نعم تغير راكان, لم يفقد وسامته, لكن دب بعض الشيب على شعرات شنبه , وظهرت بعض التجاعيد الخفيفة عند عينيه , عيناه التي امتلأت حزناً غريباً , قال وهو يطبق على يدي (ستكونيني ملكة قلبي فلا تخذليه…)
شعرت بحنان نبرته يدب لي من دفء يده, شعرت بحنان وطيبة وآمان لا يختلف عن سابقه,
أنا حالياً
في فترة الخطبة
سعيدة معه,, مكالماتنا لا تنتهي , لكن النسا يشعرونني بغير ذلك؟؟كيف رضيتي به وهو صاحب تجربة,,
لم استعجلتي؟؟
سيتعبك ببناته؟؟
ستندمين ؟؟
وهذه الأشياء تشغل بالي ؟؟
أنيروني يارب يخليكم
عذرا للإطالة؟؟
عالم البنات النسائي كل ما يخص المرأة العربية من ازياء وجمال والحياة الزوجية والمطبخ