تنشر صحيفة “الغد” ابتداءً من الاحد مقتطفات من كتاب “صدام مرّ من هنا” للكاتب الصحافي اللبناني ورئيس تحرير صحيفة “الحياة” اللندنية غسان شربل. الذي اختار “الغد” لنشر هذه المقتطفات التي ستكون مقتصرة على واحد من أبرز الرموز الذين عايشوا صدام حسين وهو صلاح عمر العلي الذي كان رفيقا قديما لصدام وكان إلى جانبه ساعة الاستيلاء على القصر في 17 تموز 1968.وتاليا نص الحلقة الاولى نقلا عن صحيفة الغد
مقدمة
شعرت بشيء من القلق حين وقفت قرب جدار برلين المتداعي. كان الجدار حدود دولة وحدود إمبراطورية. ألقت دولة الجدار بنفسها في أحضان الوطن الأم. وانسحبت الامبراطورية لتندحر وتنتحر. ومن الحطام السوفياتي ستولد روسيا وقياصرتها الجدد. وستفوز الولايات المتحدة بلقب القوة العظمى الوحيدة. وسيولد لها في بداية القرن الجديد أعداء جدد بلا عناوين معروفة. سيدمون رموز نجاحها وهيبتها وسترد بما يدمي أكثر من دولة ومنطقة.
بعد أربعة عشر عاماً شعرت بخوف عميق حين شاهدت، من بعيد، دبابة أميركية تقتلع تمثال صدام حسين ونظامه وتجول في شوارع بغداد. كان المشهد أكبر من القدرة على الاحتمال. فهذه بغداد، كائناً من كان حاكمها، لاسمها رنّة في تاريخ العرب والمسلمين. وهذا العراق، كائناً ما كان نظامه، شرايينه موصولة بشرايين المنطقة. مقلق حين يكون قوياً. ومخيف حين يستضعف أو يستباح.
يقول التاريخ إن ليس من عادة سيّد بغداد أن يتقاعد. خياراته محدودة: القصر أو القبر. عليه أن يستعد دائماً لغزو مدمّر. شهيّات الامبراطوريات المحيطة مفتوحة. وعليه أن يتنبه لمكائد الداخل ومكائد الخارج. طعنة غادرة. أو لسعة سمّ. أو خروج منقذ ناقم من عتمات الثكن. وفي هذا السياق يبدو صدام حسين ابناً شرعياً لهذا النهر من القساة. طبيعياً في صعوده حتى التسلط المطلق، وطبيعياً في نهايته معلَّقاً وسط صيحات الثأر.
لا العراق بلد عادي عابر في تاريخ المنطقة. ولا صدام حاكم عادي في تاريخ العراق الحديث. لهذا كان مشهد الدبابة الأميركية مخيفاً. نجحت أوروبا الغربية المستقرة في احتواء سقوط جدار برلين. فشل الشرق الأوسط الهش والمضطرب في احتواء سقوط جدار صدام حسين. وبدا باكراً أن اقتلاع التمثال يعني اقتلاع أشياء كثيرة. معادلات وتوازنات. بعده لن يكون العراق ما عرفناه. سيتدفق النفوذ الإيراني عبر البوابة الشرقية للعالم العربي. سيحجز ورثة الإمام الخميني موقعاً لبلادهم على المتوسط وستنهمر صواريخ حلفائهم على إسرائيل من جنوب لبنان وبعده من غزة. تركيا أيضاً لن تكون تركيا السابقة. سقط الضلع العربي من المثلث الإيراني ـــ العراقي ـــ التركي. ولا بد من الانتظار طويلاً لمعرفة ما إذا كانت عودة هذا الضلع العربي واردة. كان نظام صدام من ركائز نظام الأمن العربي على رغم مغامراته وتهوراته. بعد سقوطه ستضطرب علاقات العراقيين بالعراقيين وسترشح دماً علاقات السنّة بالشيعة، وعلاقات العرب بالأكراد.
علم ونشيد ورئيس اسمه مسعود بارزاني
وللمرة الأولى سيكون لإقليم كردستان علم ونشيد ورئيس اسمه مسعود بارزاني بكل ما يثيره الاسم من مشاهد وذكريات. وسيفيض الخلاف السنّي – الشيعي لاحقاً عن حدود العراق، خصوصاً حين سيشعر العرب بإرهاصات ولادة شرق أوسط جديد من الفشل الأميركي في العراق. منطقة من أربعة لاعبين هم إيران وتركيا وإسرائيل والعرب. وليس سراً أن اللاعب الرابع هو الأضعف.
أربعة مشاهد هزّت المنطقة في حفنة أعوام وتركت بصماتها على العلاقات بين دول وشعوب وتنظيمات واتجاهات: المشهد الأول مشهد الدبابة الأميركية تجول منتصرة في عاصمة الرشيد. المشهد الثاني صورة رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري يسقط بفعل عملية اغتيال انتحارية اغتالت أيضاً حقبة من العلاقات اللبنانية – السورية وحقبة من العلاقات اللبنانية – اللبنانية. والمشهد الثالث عجز إسرائيل عن تأديب “حزب الله” اللبناني وعن وقف انهمار صواريخه “الإيرانية” على مدنها. والمشهد الرابع إسرائيل تشن عدواناً مجنوناً على غزة تحتفظ “حماس” بعد توقفه بقدرتها على إطلاق الصواريخ وبمأزقها منذ نجاحها في طرد السلطة الفلسطينية و”فتح” من القطاع.
لم تعارض إيران قيام الآلة العسكرية الأميركية بسحق نظام طالبان المعادي لها في أفغانستان. ولم تعارض مغامرة جورج بوش العراقية، ويمكن القول إنها سهّلتها حين سمحت للقوى الشيعية العراقية الحليفة لها بالانضواء في معارضة سعت واشنطن إلى لحم أجزائها الشيعية والكردية تمهيداً للغزو. لكن إيران سرعان ما شعرت بوطأة وجود القوات الأميركية قرب حدودها، ومن جهتين، فبدأت معركة استنزاف المشروع الذي حمله الغزو. سورية انتابها القلق أيضاً. وهكذا تدفق الانتحاريون إلى العراق يسعفهم التخبط الأميركي الذي بدأ بقرار الحاكم المدني الأميركي بول بريمر حل الجيش العراقي. مشهد اقتلاع نظام صدام أطلق المخاوف والتوترات وأطاح توازنات وصمامات أمان. وعلى خلفية ذلك المشهد حدثت المشاهد اللاحقة. وللمؤرخين لاحقاً أن يتحدثوا عن الترابط بين المشاهد أو بعضها.
مشاهد عراقية أربعة
قبل المشاهد الأربعة هذه استوقفتني مشاهد عراقية. بعد اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية في أيلول (سبتمبر) 1980 أوفدتني “النهار” اللبنانية لتغطية التطورات. نظمت السلطات العراقية رحلة للصحافيين إلى بلدة مهران الإيرانية الحدودية فور سقوطها في يد القوات العراقية التي اجتازت خط الحدود الدولية. رأيت جنديين عراقيين يصطحبان عجوزاً إيرانياً إلى مكان آمن واستوقفني الخوف العميق المسيطر على ملامحه. وسألت نفسي ليلاً عن موعد الثأر الإيراني لا سيما بعد أن أطلق العراق على الحرب تسمية “قادسية صدام”، في نبش صريح لجروح المواجهات بين العرب والفرس.
المشهد الثاني كان مجيء صدام حسين بالبزة العسكرية لعقد مؤتمر صحافي. كان الشعور بالقوة يفيض من عينيه وابتسامته، فقد توغل جيش البعث في لحم إيران المقيمة في عهدة نظام “الثورة الإسلامية”. ورحت أفكر في استحالة رضوخ آية الله الخميني الذي لن يتردد بعد ثمانية أعوام في تشبيه قبول وقف النار مع صدام بتجرع كأس السم. وحين سأل أحد الصحافيين الرئيس العراقي عن مستقبل إيران ردّ بأن الأمر تقرره “الشعوب الإيرانية”. وبدا صدام حسين كمن يحلم بتفكيك إيران وشطب هذا الخطر مرة واحدة.
المشهد الثالث إبان حرب المدن. بث التلفزيون العراقي صورة للرئيس القائد يأمر بتجهيز القوة الصاروخية لإمطار المدن الإيرانية.
المشهد الرابع كان حين توافدنا لتغطية أعمال القمة العربية في بغداد في أيار(مايو) 1990. صافح صدام ضيوفه وعانقهم. وظهر جلياً في خطواته زهو “الانتصار”. ولم يكن ليرضى بأقل من شطب الديون التي رتبتها الحرب على بلاده والاعتراف له بالزعامة العربية وبالموقع الأبرز في الإقليم. تصرّف وكأنه دافع عن العراق ودول الخليج في آن. وتحدث بوصفه “حارس البوابة الشرقية” للعالم العربي. كان بين الحاضرين أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح الذي وعده صدام بتلبية دعوته وستكون الزيارة باهظة للعراق والمنطقة. باجتياحه الكويت قامر صدام بنظامه وشخصه. اصطدم بالإرادة الدولية التي نبذته وعاقبته. اقتلع التحالف الدولي عبر “عاصفة الصحراء” أنياب ترسانته لكن بقي له منها ما يكفي لسحق انتفاضتي الشيعة والأكراد.
أقام سيد بغداد جريحاً يناور ويداور للالتفاف على الحصار والعقوبات التي آلمت العراقيين أكثر بكثير مما آلمت الحاكم المتحكم. وفي العقد التالي ستجيئه الطعنة القاتلة من حيث لا يدري. أطلق أسامة بن لادن “غزوتي نيويورك وواشنطن” واختارت إدارة بوش اقتلاع نظام صدام متكئة على ذرائع سيتضح بطلانها لكن بعد فوات الأوان.
* * *
حين شمّ الخزرجي رائحة الكارثة
باكراً رن جرس الهاتف في منزل الفريق أول الركن نزار الخزرجي رئيس أركان الجيش العراقي. إنه الثاني من آب(أغسطس) 1990. سارع إلى مقر القيادة العامة فاستقبله سكرتيرها العام الفريق علاء الجنابي بجملة قصيرة قاتلة هي “أكملنا احتلال الكويت”. شمّ الخزرجي رائحة الكارثة وشعر بالإهانة. بعد قليل وصل وزير الدفاع عبدالجبار شنشل فعاجله الجنابي بالجملة نفسها. هذا يحدث في العراق وحده. يجتاح الجيش بلداً مجاوراً من دون معرفة رئيس الأركان ووزير الدفاع. لم يكن الاعتراض وارداً، ففي جمهورية صدام حسين لا تجرؤ سبابة على الارتفاع.
بعد أيام سيأتي من يأخذ الرجلين للقاء “السيد الرئيس”. وكالعادة يبقى مكان اللقاء سراً. أُدخلا إلى كارافان (مقطورة) في منطقة الرضوانية ثم جاء صدام. تذرع بأنه أراد الاحتفاظ بعامل المفاجأة ولم يتردد في القول أنه “حرّر الكويت” بالوحدات التابعة له مباشرة.
لم تظهر عليه أمارات الابتهاج. كانت ردود الفعل الدولية شديدة. صار الرجل مطلوباً كأن مذكرة اعتقال أو اغتيال صدرت بحقه. باستثناء مرافقيه المقرّبين، لن يعرف أحد، بمن فيهم رئيس الأركان، أين سيمضي ليلته وفي أي غرفة سينام. وسيزداد تعلقاً بمسدسه وبالعيش السري الذي أدمنه.
هذا ما رواه لي الخزرجي في قرية سوغو الدنماركية في ليلة مثلجة. قال إن صدام تولّى شخصياً التخطيط لغزو الكويت في حضور صهره حسين كامل وقريبه علي حسن المجيد الملقّب بـ”الكيماوي”. وكشف أن تقريراً من الأخير كان وراء قرار صدام توجيه “ضربة خاصة” أدت إلى إغراق حلبجة في مجزرة تقشعر لها الأبدان. وأكد أن صدام كان معجباً بتجربة الزعيم السوفياتي جوزف ستالين وأنه ربما كان يعتقد نفسه القائد الأبرز بعد صلاح الدين.
بعد شهرين من توليه الرئاسة شارك صدام حسين في أيلول(سبتمبر) 1979 في قمة لحركة عدم الانحياز عقدت في هافانا. استقبل في مقر إقامته وزير خارجية إيران الدكتور ابراهيم يزدي الذي عيّن في هذا المنصب بعد انتصار “الثورة الإسلامية”. كان صلاح عمر العلي مندوب العراق لدى الأمم المتحدة حاضراً. وصلاح رفيق قديم لصدام. كان إلى جانبه ساعة الاستيلاء على القصر في 17 تموز(يوليو) 1968 وكان بعد ذلك النهار عضواً في مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب البعث.
كان اللقاء “بنّاء وإيجابياً” في الظاهر. خرج بعده صدام إلى الحديقة وتبعه صلاح الذي حاول تشجيع الرئيس على تحسين العلاقات مع إيران الخميني على رغم ما تثيره من حساسيات ومخاوف. فجأة قال صدام: “يا صلاح انتبه. هذه الفرصة قد لا تتاح مرة كل مئة سنة. الفرصة متاحة اليوم. سنكسر رؤوس الإيرانيين وسنعيد كل شبر احتلوه. وسنعيد شط العرب”.
حدّق صلاح مذهولاً فأضاف صدام: “هذا الكلام عن حل سلمي وإنساني وتصفية المشاكل مع إيران لا أريده أن يتكرر على لسانك إطلاقاً. حضّر نفسك في الأمم المتحدة. اسمع ما أقوله لك. سأكسر رؤوس الإيرانيين وأُرجع كل شبر من المحمرة إلى شط العرب”.
بعد عام على حديث هافانا ستندلع الحرب العراقية ــ الإيرانية متسببة في سقوط مئات آلاف القتلى وكوارث إنسانية ومالية. ولدى توقفها بعد ثمانية أعوام لن يخفي الزعيم العراقي بهجته: “عشت حتى سمعت الخميني يتحدث عن تجرع السم وقبول وقف النار”. لكن الخارج ّمنتصراً” من “قادسية صدام” والمبتهج بلقب “حارس البوابة الشرقية” لن يتأخر في تنفيذ عملية انتحارية هي غزو الكويت.
رصاصات صدام تنجح في العثور على عبد الرزاق النايف
هذا ما سمعته من صلاح عمر العلي الذي روى أيضاً قصة دخوله مع صدام مسلحين بالرشاشات إلى مكتب الرئيس أحمد حسن البكر للتخلص من رئيس الوزراء العابر عبد الرزاق النايف في 30 تموز(يوليو) 1968. اقتاد صدام النايف من القصر إلى المطار ودفعه إلى المنفى. وبعد عشرة أعوام نجحت رصاصة صدام في العثور على النايف في لندن ودفعته إلى القبر.
في بداية السبعينيات أعلنت بغداد كشف مؤامرة تدعمها إيران لإطاحة نظام البعث وأعدمت عشرات الضباط. رجلان اتهما بالوقوف وراء المؤامرة العقيد عبدالغني الراوي وعبدالرزاق النايف. وساد الاعتقاد لعقود بأن المؤامرة صناعة بعثية. زرت عائلة النايف في عمان وفتشت في الحقائب التي تركها وأوراقه، فتبيّن لي أن النايف اكتشف باكراً أن صدام اخترق المجموعة المتآمرة فغادر طهران قبل موعد التنفيذ. وعثرت في الرياض على الراوي وسألته عن المؤامرة فردّ بإعطائي مفكرته القديمة وهي تظهر أنه عقد لقاء مع الشاه محمد رضا بهلوي في سياق التخطيط لإطاحة البعث وأن دولة تبرعت بعشرة ملايين دولار لتمويلها.
لم ينسَ صدام تلك المحاولة الإيرانية لإطاحة نظام البعث. ولم ينسَ أن القتال ضد الأكراد أرغمه في 1975، بوساطة من الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، على التوقيع مع الشاه محمد رضا بهلوي على اتفاق الجزائر. لن يقبل صدام أن يكتب التاريخ أنه تنازل عن شبر من أرض العراق لإنقاذ النظام. وسينفذ لاحقاً ما جاء في حديثه في هافانا.
* * *
إننا الآن في العام 1959. وحدها الصدفة أدت إلى إشراك شاب نحيل اسمه صدام حسين في فريق كلّف اغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم. صاحب القرار أول أمين سر للقيادة القطرية في البعث العراقي فؤاد الركابي، وأغلب الظن أن أجهزة جمال عبدالناصر كانت على علم بالموضوع. فشلت المحاولة وأصيب صدام بشظية. فرّ الركابي وبعض أعضاء القيادة إلى دمشق وكان بينهم حازم جواد وعلي صالح السعدي. في دمشق قلق الركابي على مصير صدام. راح يسأل عنه حين تأخر. ولدى وصوله اقترح تكريمه. حفل متواضع وقالب حلوى. كان صدام مجرد نصير فتقرر قبوله عضواً أصيلاً. وقف في دمشق وأدى اليمين أمام الركابي.
كان صدام يحب الملك الحسين ويكره حافظ الأسد ويتهكم على القذافي
في بداية السبعينيات ستكتمل فصول القصة. كان الركابي يستعد لمغادرة السجن خلال أيام بعدما ذاق فيه من الإذلال والتعذيب ما لا يطيق سجين احتماله. فجأة أدخلت أجهزة صدام إلى السجن من زعمت أنه مجرم عادي. أرسل المجرم في مهمة محددة. استفز الركابي وافتعل معه شجاراً. أخرج سكيناً وذبحه من الوريد إلى الوريد. ولم يكن أمام حازم جواد غير تسلّم جثة قريبه لمواراتها.
هذا ما رواه لي حازم جواد حين وافق على طي أربعة عقود من الصمت. كانت المرارات بادية في حديثه هو الذي قاد الحزب إلى السلطة في 8 شباط (فبراير) 1963 وأذاع البيان الرقم واحد وأرسل من يأتي بضابط شهير اسمه عبدالسلام عارف لن يتأخر في إزاحة البعث لينفرد بالسلطة.
لم يكن لصدام حسين دور بارز في تلك الأيام. لكن ذلك الفشل سيضاعف حظوظه في الصعود إلى القيادة الحزبية بدعم من القائد المؤسس ميشيل عفلق وستقوم بين الرجلين لاحقاً علاقة حميمة وغريبة. وحين عاد البعث إلى السلطة في 1968 كان قرار صدام القاطع منع تكرار تجربة خسارة السلطة واقتلاع أي خطر عليها قبل استفحاله في الحزب أو الجيش أو خارجهما.
***
حلم بعيد المنال لإطاحة صدام
إطاحة البعث وصدام حلم قديم راود أحمد الجلبي الذي كانت عائلته جزءاً من المشهد السياسي في العراق قبل ثورة 1958. نتائجه اللامعة في أرقى الجامعات الأميركية لم تشبع طموحاته، فأرقام الرياضيات لا تشفي غليل من يشتهي ما هو أكثر. بدا الحلم بعيد المنال. في الحرب العراقية ـــ الإيرانية ظهر صدام في صورة من يدافع عن الإقليم في وجه أحلام الخميني بـ”تصدير الثورة”. ارتاحت واشنطن إلى رغبة صدام في عدم الوقوع تحت تأثير موسكو على رغم معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة بين البلدين. لم تدعم الرئيس العراقي لتوجيه ضربة قاصمة إلى إيران. لكنها تدخلت لاحقاً بما يكفي لمنع طهران من تسديد مثل هذه الضربة إلى النظام العراقي. حصل صدام على صور جوية أميركية لتجمعات القوات الإيرانية وعلى تسهيلات مالية وتجارية.
عندما ارتكب صدام خطيئة غزو الكويت تجددت أحلام الجلبي. حاول قطع الشرايين المالية التي تغذي نظام البعث وتحميه من الاختناق. واستنتج أن مستقبل النظام يتقرر في أميركا بعدما فشلت المعارضة الشيعية والكردية في إطاحته.
تسلل الجلبي إلى مراكز الأبحاث والدراسات وأروقة الكونغرس وكذلك إلى دهاليز الـ”CIA” وممرات وزارة الدفاع. انغمس في العمل في أميركا ولم تغب إيران عن باله. تطلع إلى جمع المعارضتين الشيعية والكردية تحت سقف واحد لإقناع واشنطن بأن البديل موجود. ساهمت التوترات بين النظام العراقي وفرق التفتيش الدولية في تسهيل مهمة الجلبي. وتولت ماكينة إعلامية هائلة تصوير صدام كأنه الخطر الكبير على الإقليم والعالم.
لم يكن صدور “قانون تحرير العراق” عن الكونغرس الأميركي، والذي يحمل بصمات الجلبي، كافياً. ثمة رجل سيمهد الطريق من دون أن يدري لقتل نظام صدام حسين. إنه أسامة بن لادن. فبعد هجمات 11 أيلول(سبتمبر) 2001 بدأ الهمس في غرف أميركية ضيقة عن “خطر” صدام حسين. مطبخ بارع أعد الوجبة للرأي العام الأميركي: أسلحة الدمار الشامل وانتهاك القوانين الدولية والعلاقة بالإرهاب والديكتاتورية والتعذيب وحلبجة.
ابتهجت إيران بإسقاط الجيش الأميركي نظامَ طالبان في أفغانستان كما ابتهجت بتوجه أميركا نحو اقتلاع عدوها اللدود في بغداد. أدرك الجلبي لقاء المصالح وحين اقتلعت دبابة أميركية تمثال الرئيس ونظامه، تدفق المقاتلون العراقيون من المنفى الإيراني إلى بلاد شطب بول بريمر جيشها من الوجود.
هذا ما رواه لي الدكتور أحمد الجلبي حين وافق للمرة الأولى على الحديث عن الرحلة الطويلة التي مكنت جورج بوش من ارتكاب مغامرة ستدمي العراق والمنطقة وتفتح الباب أمام إيران للمطالبة بزعامة الإقليم.
ذاكرة حامد الجبوري مثقلة بالروايات. شاهد كثيراً وسمع كثيراً. والسبب بسيط: تولى إدارة مكتب “الأب القائد” ثم إدارة مكتب السيد النائب وحقيبة الإعلام ووزارة الدولة للشؤون الخارجية.
قال الجبوري إن المغفور له الملك الحسين صعد مع صدام في 22 أيلول(سبتمبر) 1980 إلى دبابة قرب الحدود مع إيران وبارك الحرب بإطلاق قذيفة من الدبابة. وجدتُ صعوبة في تصديق الرواية لكنه أصرّ عليها. وأضاف أنه تسلّم شخصياً من سفير عربي في بغداد صوراً التقطتها أقمار التجسس الأميركية للحشود الإيرانية.
وروى أنه كان حاضراً لدى استقبال صدام وزير الخارجية الإماراتي راشد عبدالله النعيمي وسط مؤشرات إلى ميل الدول الخليجية إلى تقليص مساهمتها في تمويل الحرب ضد إيران. قال الجبوري إن صدام خاطب النعيمي قائلاً: “سلّم على … وقل له … لا أريد نقل العبارة بحرفيتها لأنها غير لائقة وهي تتحدث عما كان يمكن أن تفعله إيران بالإمارات ودول أخرى لولا وجود صدام”.
استقبل صدام السفراء العراقيين المعتمدين في الخارج. قال سفير العراق لدى الكويت إنه طالب وزير الدفاع الكويتي بأن تتوقف الزوارق الكويتية عن انتهاك المياه الإقليمية العراقية لكنه لم يأخذ التحذير على محمل الجد. غضب صدام وخاطب السفير قائلاً: “ترجع غداً إلى الكويت بلا تأخير. تذهب فوراً إلى صباح الأحمد (وزير الخارجية) وتقول له إن صدام يقول لك (…) وأن العصفور الذي يخترق أجواء العراق نقص ذيله”. كان الكلام عنيفاً وجارحاً.
دموع في عينيْ البكر
كان الجبوري وزيراً للإعلام حين ترأس صدام اجتماعاً إعلامياً حرص خلاله على انتقاده. توجه إلى القصر وأبلغ البكر أنه ينوي الاستقالة. نهض البكر وأشار إلى الكرسي الذي كان جالساً عليه وقال: “أبول على هذا الكرسي، كرسي رئاسة الجمهورية الذي لا يحفظ حتى كرامة الرئيس”. وراح البكر يخاطب نفسه: “آخ أبو هيثم شلون تقبل تصير رئيس جمهورية، شلون تقبل تدخل بحزبهم”. عاد البكر إلى كرسيه وظهرت الدموع في عينيه وقال: “الاستقالة شيلها من ذهنك. ليس باستطاعتي قبول استقالتك، من يقبل استقالتي أنا. نحن أسرى ولا نملك حق الاستقالة”.
استقبل البكر بعد توليه الرئاسة وفداً من بغداد فاجأه بالسؤال عن أسباب قتل الشيخ عبدالعزيز البدري الذي كان صديقاً له. لم يكن البكر على علم بالحادثة. وبعد مغادرة الوفد طلب من الجبوري “قل لصدام هذا الجالس مع ربعه في آخر الممر أن يعطوني خبراً على الأقل”.
في “مكتب العلاقات العامة” في آخر الممر وبرئاسة صدام كان يجلس أيضاً رجال قساة هم ناظم كزار وسعدون شاكر وعلي رضا باوه ومحمد فاضل وكان هذا المكتب نواة أجهزة الاستخبارات البعثية لاحقاً. نقل الجبوري الرسالة إلى صدام فحدّق به ولم يعلّق.
استقبل صدام، في حضور الجبوري، مبعوثاً للرئيس الشاذلي بن جديد يحمل ملفاً أوجز خلاصته. قال إن التحقيق الذي أجرته بلاده أكد أن الصاروخ الذي أسقط طائرة وزير خارجيتها محمد بن يحيى، الذي كان يحاول وقف الحرب العراقية ـــ الإيرانية، كان عراقياً. وأضاف أن جزءاً من حطام الصاروخ عثر عليه في إيران وأن السوفيات أكدوا أنهم سلّموا هذه الصواريخ إلى العراق. تسلّم صدام الملف ولم يعتذر ولم يعلّق.
يقول الجبوري إن صدام أقام علاقة حميمة مع المغفور له الملك الحسين وكان يناديه “ابن العم”. وكان يكره الرئيس السوري حافظ الأسد ويتهكم على العقيد معمر القذافي مردداً “من هو هذا القذافي؟”. لم يكن صدام يحب السوفيات. ذات مساء قال للجبوري: مؤامرة 1973 (مؤامرة كاظم كزار) ومؤامرة 1979 وراءهما جهاز الـ”كي. جي. بي” السوفياتي وقد شاركت سورية في الثانية.
الجملة التي لا ينساها الجبوري هي تلك التي سمعها من العاهل المغربي الملك الحسن الثاني في قصر الصخيرات حين قال الملك: “بصراحة إذا حضر صدام نبدو كأن على رؤوسنا الطير”. وصدور مثل هذا الكلام عن الحسن الثاني ليس بسيطاً.
* * *
كان الغرض مجرد الابتعاد عن لبنان الغارق في حرب أهلية وإقليمية. الابتعاد ولو لبضعة أسابيع. اقترح قريبي وصديقي أن نذهب إلى العراق فلم أمانع. كنا في أول العشرينيات وكان لدينا من الوقت ما يكفي لتبديده. عرف صديقي المحامي والكاتب فايز قزي بمشروع الرحلة. طلب مني أن أبلغ تحياته إلى صديقه العراقي وأعطاني رقم هاتفه. كان اسمه علي صالح السعدي. القائد البعثي الشجاع الصاخب المتهور الذي لمع اسمه حين استولى البعث على السلطة في 8 شباط(فبراير) 1963.
وسريعاً سيضيق صدر الرفاق برفيقهم الذي تحوّل وزيراً من دون التنازل عن مبالغات المعارض ومن دون التنازل عن الإسراف في حب الحياة والعيش. افتقار البعثيين إلى الخبرة وقسوتهم المفرطة بحق الشيوعيين سهّلا لعبدالسلام عارف، العسكري الذي شارك عبدالكريم قاسم في صنع ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، الانقضاض على الشريك البعثي والتفرد بالسلطة، خصوصاً بعدما ضاق عسكريو البعث ذرعاً بمراهقة المدنيين فيه.
أعطاني السعدي موعداً مسائياً في منزله في حي المنصور. حاولت الإيحاء أنني جئت لتناول القهوة فرد بلهجة حاسمة: “نحن لا نستقبل ضيوفنا بهذه الطريقة” واسترسل في شرح علاقته بلبنان واللبنانيين وبيروت ومقاهيها ولياليها. وشاءت الصدفة أن ينعقد خيط الود سريعاً فراح يتصل بي يومياً وتكررت اللقاءات الليلية التي كانت فرصة لي للإطلالة على منجم الأهوال العراقي الذي سيزداد ثراء لاحقاً في ظل صدام حسين.
سعى السعدي إلى تبديد قلقي من احتمال تعرضي لإزعاجات بسبب تكرار اللقاءات وبعضها كان في نادي المنصور. قال: “لا تقلق لم أعد أقلق أحداً. ولا يريدون قتلي فهم يعرفون أنني أنوب عنهم في هذه المهمة”. وكان يشير إلى إفراطه اليومي في الشراب على رغم خضوعه لجراحة في القلب. وروى أن سيارة حاولت دهسه ذات يوم لكنها أخطأته. وأن رجال الاستخبارات كانوا يحصون أنفاسه. وأن أحدهم لحق به ذات يوم إلى دكان الحلاق. وقال: “نظرت إلى الضابط الشاب الذي دخل وجلس وقلت له. ابن… هل تمنعون المواطن من قص شعره. سأحطم رأسك بالقندرة. سارع الشاب إلى المغادرة”.
حكاية الأب القائد كذبة
قال السعدي: “أنت شاب فلا تصدق ما تسمع. حكاية الأب القائد هذه كذبة اخترعها صدام لطمأنة أحمد حسن البكر. إنه يحتاج إليه كغطاء بسبب افتقاره إلى الشرعية في الحزب والجيش والبلد. حين يستكمل خطواته لتطويع الجيش والحزب سيرميه خارجاً كثمرة مهترئة. سيكون البكر محظوظاً إذا اكتفى صدام بدفعه إلى خارج القصر من دون قتله بالسم أو غيره”. وأضاف: “ليس من عادة العراق أن يتسع لرجلين. نحن بلاد الرجل الواحد. لم يتسع العراق لعبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف. أصيب الأول سريعاً بجنون السلطة. الزعيم الأوحد. تنكر لرفيقه في الثورة. نزع صلاحياته وحاصره. أذله ونفاه وسجنه. الرحمة ليست عادة عراقية”. ينظر إلى الكأس ويعيد تجهيزه ويتابع: “عارف كان عصبياً وانفعالياً وثرثاراً. كان عاشق سلطة ومتهوراً. حين استولينا على السلطة اقتيد عبدالكريم قاسم المهزوم إلى دار الإذاعة. كانت الشماتة تفيض من عيني عارف. لم يرحم رفيقه في الثورة. نظر إليه باستهزاء وحاول أن ينتزع منه اعترافات حول دوره في 1958. يريده أن يقر بأن عارف كتب البيان. فضّل عبدالكريم قاسم الموت على تقديم مثل هذه الهدايا لعبدالسلام. أنا لا أقول إنني كنت بريئاً أو رحيماً. أنا أيضاً من عجينة القساة”. وقال: “صدقنا الشعارات وقتلنا البلد وربما الأمة. كان سلوكنا صبيانياً ولم نعرف معنى السلطة والدولة والمؤسسات. غرقنا في أحقادنا ومخاوفنا. غرق الشيوعيون في دمنا وغرقنا في دمهم”.
فجأة توقف عن الكلام وراح يضرب يده بعصبية على رجله. كان الوقت قريباً من منتصف الليل. نهض الرجل متثاقلاً لتغيير الأسطوانة. ولم يكن آخر ما يريد سماعه غير ترتيلة بصوت فيروز عن صلب المسيح تقول فيها: “أنا الأم الحزينة وما من يعزيها…”. بدا واضحاً أن ذاكرة السعدي تعذبه وأن ذاكرة العراق تعذبه أيضاً.
لم يكن الماضي وحده ما يقلقه فقد كان يخشى أهوال الآتي. قال: “كل ما رأيناه ليس شيئاً أمام ما سنراه حين سيكمل صدام بسط سلطته ويصبح الزعيم الأوحد. أنا أعرف هذا الرجل. سيقود البلد إلى الهاوية. جائع إلى السلطة ولا يقبل شريكاً. لا يقبل بأقل من أن يكون الآمر الناهي. يريد أن يكون زعيم العراق وزعيم الأمة لكن بالبطش والبلطجة. عقدة جمال عبدالناصر تلازمه مذ فرّ إلى القاهرة وأقام فيها طالباً. متآمر يعرف إخفاء مشاعره ويسدد ضرباته بلا رحمة. يريد أن يثأر من طفولته وظروفه العائلية. معه سيغرق العراق في الدم. ومن يدري فقد تغرق المنطقة أيضاً”.
أرشدني كلام السعدي إلى منجم الآلام العراقي. لكن رغبتي الفعلية في استكشاف هذا المنجم لن تبدأ إلا بعد عقدين. تحوّل السؤال عن صدام حسين جزءاً ثابتاً من اهتماماتي. لهذا السبب التقيت في دمشق عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي. استمعت منه إلى قصة الشيوعيين العراقيين. روى أشياء كثيرة بينها أن ناظم كزار مدير الأمن العام في السنوات الأولى من عهد البكر – صدام كان يأكل الكباب ورجله تضغط على عنق سجين يحتضر.
وبين كردستان العراق وعواصم عربية وأوروبية استمعت إلى روايات الرئيس جلال طالباني ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني والفريق أول إبراهيم الداوود وزير الدفاع العابر الذي أُبعد بالتزامن مع إبعاد النايف. استمعت إلى عبدالغني الراوي وعشرات العسكريين والمدنيين. كنت أسأل عن صدام وعن عراق صدام.
لم يكن الغرض محاكمة صدام. تجريمه أو تبرئته. استوقفتني قصة الرجل التي انتهت بمأساة له ولعائلته وبلاده والمنطقة. لم يكن هناك ما يرشح الطفل الذي ولد في 28 نيسان(أبريل) 1937 لمثل هذا الدور. لم يجد في استقباله غير أمه والفقر واليتم. عطف خاله الضابط المتقاعد خير الله طلفاح مكَّنه من التوجه متأخراً إلى المدرسة في تكريت وبعدها في بغداد. باكراً سيجرّب صدام السجن. حفنة شهور انتهت بالإفراج عنه لنقص الأدلة في جريمة اغتيال استهدفت تكريتياً ذا ميول شيوعية وقيل إن الخال كان المحرض.
بعدها سيتدخل القدر. محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم والفرار إلى دمشق ومنها إلى القاهرة. عاد صدام إلى بغداد بعد استيلاء البعث على السلطة في 8 شباط(فبراير) 1963. وإثر نجاح عبدالسلام عارف في إزاحة البعث بعد تسعة أشهر سينتقل إلى العمل السرّي وسيدخل السجن ليفرّ منه لاحقاً بعدما عُيّن في القيادة القطرية إثر نجاحه في الفوز باهتمام “القائد المؤسس” للبعث ميشيل عفلق.
الأحداث التي أعقبت عودة البعث إلى السلطة تحمل بصماته. اتفاق الحكم الذاتي مع الملا مصطفى بارزاني ومحاولة اغتيال الأخير بعده. قرار تأميم النفط ومعاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفياتي. حملة محو الأمية. إنهاء حركة ناظم كزار. القتال مع الأكراد واتفاق الجزائر مع شاه إيران. وفي ظل البكر كان يواصل تطويع الجيش والحزب وشطب المشكوك في ولائهم إلى أن حانت في 16 تموز(يوليو) 1979 ساعة استقالة البكر. بدأ عهد صدام بوليمة حزبية دامية. وسينتهي العهد في 9 نيسان(أبريل) 2003 وسينتهي الرجل لاحقاً على حبل المشنقة. خسر نظامه وولديه عديّ وقصيّ وحفيده وتبددت عائلته ثم خسر كل شيء.

المصدر