رحلة الاسراء والمعراج ..”تأملات رقمية في السرعة والمسافة”

الخط يوضح سرعة الضوء من الأرض إلى القمر وتستغرق حوالي ثانيتين

من المسلّم به عند كل مسلم أن حادثة الإسراء والمعراج الحادثة المعجزة جزء من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، و التكذيب بها كفر بالقرآن والسنة. إن حادثة الإسراء والمعراج منعطف كبير ومهم في سيرة المجتبى صلى الله عليه وسلم. رحلة المعراج فريدة بل ويتيمة في تاريخ البشر فلم ولن تتكرر والله أعلم. رحلة جمعت أفضل البشر مع أفضل الملائكة ليعرج به إلى أين؟ وأي طريق سلكوا؟ وأي وسيلة ركبوا؟ وأي سرعة بلغوا؟ اللهم إني آمنت بالله رباً … وبالإسلام ديناً … وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً … وأن الإسراء حق و أن المعراج حق فاحشرني مع المؤمنين.

قصة المعراج قصة عجيبة وفي نظري أغرب ما روي من السيرة النبوية … قصة معجزة وخارقة لنواميس الكون قاطبة ربطت الأرض بالسماء و الأحياء بالأموات والقريب بالبعيد والإنسان بالملائكة والحاضر بالماضي والحاضر بالمستقبل بل ربطت بين الدنيا والآخرة. لم تحدث لأحد من قبله صلى الله عليه وسلم وفقاً للنقل وربما لن تحدث لأحد من بعده … بل ولم يزعم أو يتجاسر أحد من الدجالين أنه عرج به كما عُرج بمحمد عليه الصلاة والسلام … حادثة فريدة غريبة في زمانها ومكانها وفصولها حتى دفعت قريشاً للكذب دون تردد … بل وحتى لو حصلت في عصرنا هذا عصر النانو والذرة لكذب بها أكثر أهل الأرض إلا من فتح الله عليه {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس}… قصة المعراج بأي سرعة تمت؟ وأي مسافة قطعت؟ سؤالان محيران، قال تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فدعونا نتفكر ونتأمل ونتدبر جانباً من جوانب القصة هي السرعة والمسافة.

لنضرب مثالاً يجسد الفكرة: المسافة المستقيمة بين مكة المكرمة والقدس الشريف حوالي 1200كم، ولنفترض جدلاً أنها فقط 1000كم … سيقطعها الإنسان راجلاً في 200 ساعة متواصلة تقريباً بسرعة 5 كم/ساعة … بينما تقطعها الدراجة الهوائية في 50 ساعة بسرعة 20 كم/ساعة … بينما تقطعها السيارة بعشر ساعات فقط بسرعة 100كم/ساعة ويقطعها القطار السريع في 3.3 ساعة بسرعة 300 كم/ساعة … بينما الطائرة تقطعها بساعة واحدة عندما تكون سرعتها 1000 كم/ساعة … بينما طائرة الميراج على ـ سبيل المثال ـ تقطعها في 50 دقيقة بسرعة الصوت 1200كم/ساعة … وفي سرعة دخول مكوك الفضاء إلى الأرض (26000 كم/ساعة) تُقطع المسافة بين مكة والقدس بـ دقيقتين فقط … وبأعلى سرعة اخترعها الإنسان هي سرعة سفينة الفضاء وتبلغ (54400 كم/ساعة) تستغرق الرحلة بين المدينتين فقط دقيقة واحدة.

صورة لطائرة مخترقة حاجز الصوت

المكوك الفضائي وهو يغادر الغلاف الجوي

وأخيراً لندع السرعة التقليدية ونحسب وفقاً لأسرع سرعة عرفها الإنسان إنها سرعة الضوء Lightspeed

وتعادل 1079252848كم/ساعة وتقطع المسافة بين المدينتين في 0.0000006 جزء من جزء من الثانية أي أسرع من لمح البصر فسبحان الذي بيده ملكوت السموات والأرض. منها ندرك ما هية سرعة الضوء، فدعونا نستخدم تلك السرعة الرهيبة والتي (لو) إستخدمها الإنسان جدلاً للسفر من مكة إلى نيويورك والمسافة بينهما (10000كم) بسرعة الضوء لقطعها فقط بـ 0.000006 جزء من الثانية أي أسرع من لمح البصر … بينما لو استخدمت السرعة نفسها للسفر إلى القمر ومعدل بعده عن الأرض حوالي 381706 كم لقطعت المسافة بـ 0.0002 أي بثانيتين تقريباً (إنظر للشكل المرفق).

ولو سافر الإنسان بسرعة الضوء إلى الشمس التي تبعد عن الأرض بمتوسط 149600000كم لاستغرقت الرحلة 0.08 أي ثمان دقائق فقط … بينما الرحلة بين كوكب الأرض وأبعد كوكب في المجموعة الشمسية بلوتو (5900000000 كم) على السرعة نفسها تستغرق 3:28 ثلاث ساعات و ثمان وعشرون دقيقة … فلك أن تتخيل تلك المسافة البينية الهائلة بين كوكبي الأرض وبلوتو لدرجة أن السرعة التي ستقلك من مكة إلى نيويورك (سرعة الضوء) تستغرق معها لمح البصر بينما بين الكوكبين ثلاث ساعات وثمان وعشرون دقيقة {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا}.

ولك أن تتخيل ضعفنا وحجمنا نحن سكان الأرض فلو سافر الإنسان بسرعة سفينة الفضاء كما أسلفنا وتبلغ (54400 كم/ساعة) لاستغرقت الرحلة بين الكوكبين 65074 ساعة أي 2711 يوما أي سبع سنين ونصف فقط للوصول إلى كوكب بلوتو!! {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.

دعونا نسافر خارج النظام الشمسي إلى أقرب نجم إلينا وهو نجم ألفاقنطورسAlpha Centauri حيث يبعد حوالي 4.24 سنة ضوئية، ونلاحظ أننا استخدمنا السنة الضوئية كوحدة قياس بدلاً من الكيلومتر وذلك لصعوبة استخدام الوحدة التقليدية لقياس المسافات بين النجوم وذلك لبعد المسافات بيننا وبين النجوم … وعلى سبيل المثال إذا أردنا أن نعبّرعن المسافة بيننا وبين نجم الفاقنطورس بالكيلومتر فإن المسافة تعادل 40110400000000000000كم أي أكثر من 40 ترليون كم (أي 40 مليون مليون مليون كم!!!!) {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}

نجم الفاقنطورس كما يشاهد عبر التلسكوب


ونجم ألفاقنطورس مغمور وغير مشهور وغير مرئي بالعين المجردة لأنه من القدر الحادي عشر … لذا لنقيس المسافة بيننا وبين نجم لامع مشهور نجم الشعرى اليمانيةSirius {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} حيث تصل المسافة بيننا وبينه إلى 8.6 سنة ضوئية … بمعنى آخر نحتاج للسفر إلى هذا النجم بسرعة الضوء الفائقة 8.6 سنة لنصل إلى نجم قريب منا بعده بالكيلومتر 81356000000000000000 كم أي حوالي 81 ترليون كم {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} … جدلاً لو سافر الإنسان لهذا النجم بسرعة المكوك الفضائي لاحتاج إلى102432514102 سنة أي 102 بليون سنة لبلوغ الشعرى اليمانية !!!!! فأي مسافة هذه؟ وأي بعد هذا؟ وأي نظام يحيطنا؟ وأي سماء تظلنا؟ فسبحان {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} والله أكبر.

نجم الشعرى اليمانية ألمع نجم في السماء


لنترك نجم الشعرى اليمانية لأنه نجم قريب! وسنضرب مثلاً بعنقود الثريا المشهور Pleiades حيث يبعد عن الأرض 440 سنة ضوئية … والكل شاهد نجم الثريا معلقة بالسماء وزينة، ولكن ليس كلنا يدرك أن ما نشاهده من الضوء فيها عمره 440 سنة أي شع قبل 440 سنة وأستمر مسافراً بسرعة الضوء إلى الأفاق حتى وصل إلى أبصارنا ليقطع مسافة4162400000000000000000 كم أي 4162 ترليون كم، فسبحان من له {مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

عنقود الثريا

تحذير


أخي و أختي القارئة … إذا شرقت وشككت بهذه الأرقام حول المسافات والأبعاد والأحجام للسماء الدنيا، وخالجتك الظنون أن ما سلف مبالغ فيه وربما مخالف للواقع … ننصحك ألا تكمل قرأة المقال فحتماً لن يُسعفك عقلك وخيالك للتدبر في خلق الله {فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ}

لنقفز وندع نجوم مجرتنا مجرة التبانة Milky way (وهي بالملايين أنظر الشكل) ونرى (من) أقرب المجرات لنا وهي مجرة المرأة المسلسلةAndromeda Galaxy المجرة الوحيدة المشاهدة بالعين المجردة، وتبعد عن نظامنا الشمسي حوالي 2.5 مليون سنة ضوئية، بعبارة أخرى أنت تشاهد حدثاً في الماضي البعيد، حدث قبل 2.5 مليون سنة وسار بسرعة الضوء ليقطع مسافة قدرها 23650000000000000000000000 كم أي 23 كدريليون كم (أي مليار مليون مليار كم)

مجرة التبانة كما تخيلها العلماء بناءاً على معطيات رقمية راديوية.

وهذه المسافة التي يطيش العقل بها لا تمثل إلا جارة قريبة لمجرتنا فكيف إذا تحدثنا عن مجرات تبعد عنا بليون سنة ضوئية كما اكتشفها مرصد The Gemini South Telescope في شيلي حيث يستغرق الضوء مسافراً من تلك المجرة حتى يصل إلينا بليون سنة ليقطع مسافة9460000000000000000000000000 كم أي ألف كدريليون كم (أي ألف مليار مليون مليار كم) سبحانه { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} … فلا إله إلا الله والله أكبر … اللهم إني أُشهد كل من قرأ هذه السطور أني آمنت بالله رباً … وبالإسلام ديناً … وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً … وأن السموات السبع حق فاحشرني مع المؤمنين.

مجرة المرأة المسلسلة عبر التلسكوب

فسبحان من له {مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فهذه الأبعاد الفلكية لا تمثل إلا جانباً من المسافات البينية بيننا وبين المجرات التي تعج بها السماء الدنيا حيث يقدر علماء الفلك عددها حوالي 100 بليون مجرة تسبح في بحر (السماء الدنيا) قال تعالى {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} هذه السماء الدنيا فكيف بالسماء الثانية وما فوقها، هذا جانب ومن جانب آخر السماء تنتفخ وتتسع منذ خلقت {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}.

ومزيداً في الإيضاح لمن ضاقت به الأرقام والأحجام والمسافات فعجز أن يتصورها وحتى أن يتخيلها … لنفترض أن المسافة بين كوكب الأرض والقمر (381706 كم) تعادل (جدلاً) المسافة بين عينيك اليمنى واليسرى (10 سم) فإن المسافة بيننا وبين الشمس ستصبح 39م ، والمسافة بيننا وبين كوكب بلوتو 1.5كم، بينما بيننا وبين اقرب نجم إلينا 10508192169كم فما بالك بما هو أبعد من ذلك؟
وعود على بدء قصة المعراج العجيبة بأي سرعة حدثت؟؟؟؟ … تدبر معي الإعجاز الإلهي في ضوء ما سلف … فلوكانت رحلة المعراج بأقصى سرعة عرفها البشر وهي سرعة الضوء لاستغرقت رحلة المعراج 440 سنة لبلوغ نجم الثريا فقط ! … فإن أرادو زيارة مجرة
المرأة المسلسة لاستغرقت الرحلة 2.5 مليون سنة ليبلغوها!! … فكيف إذا سافروا إلى أبعد ما يبصرون عبر التلسكوبات من مجرات بعيدة لاحتاج الأمر إلى بليون سنة!! … فكيف إذا سافروا إلى ما لايبصرون! {فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ}... والعلم والعلماء لا يعلمون حدود وأطراف السماء الدنيا فضلاً عن غيرها وبالتالي لا يعلمون عن بعد السماء الثانية كيف هو؟ … فإذا العلماء وقفوا حائرين مما أبصروه في آفاقهم الدنيا فكيف الحال في ما لم يبصروه في السماء الثانية وما فوقها … أي بُعد نتحدث عنه؟ وأي سنين يحتاجه الضوء ليصل إلينا وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}.

السؤال الكبير الذي يكمن فيه التفكر والتدبر والتأمل في خلق الله عزوجل بأي سرعة صلى الله عليه وسلم عُرج به؟ حتى تجاوز السماء الدنيا باقمارها وكواكبها ونجومها ومجراتها وسدمها وما نعلم وما لانعلم من خلق الله فيها! بأي سرعة مذهلة معجزة اختصرت بلايين السنين في لاحظات كلمح البصر وإذا به صلى الله عليه وسلم عند أبيه آدم عليه السلام في السماء الدنيا! وبلمح البصر وإذا المصطفى في السماء الثانية عند أخيه عيسى ويحي عليهم السلام … ولحظات ليقطع السماء الثانية إلى الثالثة عند أخية يوسف عليه السلام! وهكذا حتى وصل إلى السماء السابعة عند أبيه إبراهيم عليهما السلام.

الله أكبر … وصل الحبيب عليه الصلاة والسلام إلى نقطة كونية لم يبلغها بشر من قبله، وسار بسرعات وقطع مسافات لا تستوعبها العقول البشرية ولا حتى الآلية … فلا يصلح معها وحدة قياس مسافة ولا سرعة والأمر كله بيد الله … الله أكبر بأي سرعة عُرج بحبيبنا صلى الله عليه وسلم؟ … فلا سرعة الضوء تجدي ولا سرعة تباعد المجرات عن بعضها يغني، ولكنها سرعة من يقول للشئ كن فيكون، إنها سرعة من يدبر الأمر في السموات والأرض، إنها سرعة تتوقف كل النواميس الطبيعية أمامها وتتلاشى كل المعادلات الرياضية حيالها! … بأي سرعة عُرج بحبيبنا صلى الله عليه وسلم؟ … إنها سرعة {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}… ثم لما بلغ المصطفى صلى الله عليه وسلم السماء السابعة واطلع على البيت المعمور في السماء السابعة أُذن له أن يرقى ويصعد إلى مكان قُصر عليه وحده دون جبيريل {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} … خرج عن حدود ونطاق الكون الدنيوي المحكوم بنواميس دنيوية خرج إلى عالم آخر لم يطّلع عليه أحد من البشر قاطبة … فإلى أين وصل؟ وإلى أي إرتفاع بلغ؟ وماذا حدث؟ تلك قصة قد خلت من قبلها قصص ولكن ليس لمثلها قصة.

د. عبدالله المسند*

*عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم

منقـــول

8 thoughts on “رحلة الاسراء والمعراج تأملات رقمية في السرعة والمسافة

Comments are closed.